وهكذا يجب أن يكون النظر في كل خطوة من خطوات الدعوة، ووسيلة من وسائلها، وأسلوب من أساليبها .. كم يحقق من المنافع للأمة والدين والإسلام والمسلمين، وكم يحقق من المفاسد الشرعية، فإن كان النفع أعظم، والتضحيات والمفاسد أقل، كان العمل مشروعًا بل واجبًا أحيانًا، وأما إن كانت المفسدة أكبر والأضرار أعظم من المنافع فإن الواجب الاحجام. ومما يدلك على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه في قتال قريش في بدر أو الرجوع دون قتال عندما علم أن الهدف الذي خرج من أجله وهو اللحوق بعير أبي سفيان قد فاته بهرب العير من طريق آخر، ومجيء قريش لاستنقاذ تجارتها، فاضطر الرسول صلى الله عليه وسلم لاستشارة أصحابه ولو كان الأمر مجرد قتال أيا كانت النتائج، وكأنه أمر تعبدي صرف لا دخل للنتائج فيه لما استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ولقال لهم: قاتلوا أيا كانت النتائج، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم استشارهم وكل منهم بدأ يزن الأمور، ويقابلها: هل يقاتلون أم لا حتى تحقق لهم برأي أغلبيتهم أن القتال أولى من الفرار، فسر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك. ومع ذلك أخذ الحيطة والحذر واستحسن رأي سعد بن معاذ الذي رأى ألا يباشر الرسول صلى الله عليه وسلم القتال بنفسه وأن يكون له عريش في مؤخرة الجيش وعنده ركائب جيدة يستطيع بها الرجوع إلى المدينة إن حصلت هزيمة للمسلمين، وذلك حفاظًا على شخص النبي صلى الله عليه وسلم وخاصة أن هناك في المدينة مسلمون كثيرون لم يخرجوا في الغزوة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان متعجلًا للخروج ولم يخرج معه إلا من كان ظهره حاضرًا.
والشاهد من هذه الواقعة أنه يجب النظر في الأمور وتقدير العواقب، وحساب الأرباح والخسائر الشرعية قبل ركوب أي أمر من الأمور، والإقدام على أية وسيلة من الوسائل.
وعندما نقول الأرباح والخسائر، والمصالح والمفاسد، فنحن نعني بالمصالح والمفاسد الشرعية، والأرباح والخسائر التي تمس الدين والعقيدة والمسلمين، ولا يجوز هنا النظر إلى أهواء النفوس ورغبات الدنيا، وإلا فالتكاليف الشرعية، وتكاليف الدعوة والجهاد خاصة تكرهها النفس كما قال تعالى في القتال: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} (البقرة:216) ، فالقتال مكروه والسيف فتنة، والحرب للمسلمين سجال يدالون ويدال عليهم، {وتلك الأيام نداولها بين الناس} (آل عمران:140) ، وفي الحرب من الخسائر ما فيها، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما فيه من تحمل الأذى، وحصول الضرر، وخاصة في هذه الأيام التي أصبحت كلمة الحق فيها شاقة متعبة، وقد يكون قول كلمة حق واحدة يكلف الداعي روحه، أو الخروج من وطنه وأهله وماله، أو مصادرة حريته، وإيداعه السجن السنوات الطوال .. لا شك أن الجهاد والدعوة في سبيل الدين أمر مر يحتاج إلى صبر وجلد وليس مما تهواه النفوس، ولا شك أيضًا أنه لا يجوز ترك ذلك إيثارًا للدعة والراحة، وركونًا إلى السلامة والعافية، ففي هذا ولا شك أعظم الضرر والفساد، وليس هذا من