فهرس الكتاب
"الفرس"، انتصارًا للعرب، وحمية لقومهم، ومثل هذا لا يجوز للمسلمين رفضه مطلقًا، بل من سار منهم مختارًا في ركب الدين، وأراد أن ينصر رسالة رب العالمين، وينضوي تحت لواء المسلمين، ويحارب في صف المؤمنين فإنه لا يمنع من ذلك، ولا يحال بينه وبين ما أراد من نصر الدين، بدعوى أنه غير مخلص أو أنه لا أجر له عند الله، أو أنه كافر أو فاجر لا خلاق له في الآخرة. فإن الله -سبحانه وتعالى- ينصر دينه بمن يريد، ويسخر عباده كما يشاء، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، وقد يدفع الله عن المؤمنين بالكافرين، وقد ينصر الله المؤمنين بأن يسلط الكفار بعضهم على بعض والحكم لله أولًا وأخيرًا وبالطبع لا يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم: [اذهب فإني لا أستعين بمشرك] (متفق عليه) . لأن ذلك رجل جاء يشترط على الرسول أن يحارب معه ويقتسم معه في المغنم لأن هذا يرفع راية مع راية الرسول ويجعل من المسلمين الخارجين للغزو وكأنهم جماعة تريد الغنيمة، وتقطع الطريق وتستعين بالانتهازيين وطلاب الدنيا، والفرق هائل بين هذا وهذا وبين ما قررناه -آنفًا- من شخص أو أشخاص يتطوعون بأنفسهم لنصر الدين، ويحاربون تحت راية المسلمين ولا يشترطون على المسلمين شيئًا يناقض أهدافهم، أو يرفعون مع راية الإسلام راية ثانية. وشتان بين هذا وهذا، وعلى كل حال فالحديث هذا إن قلنا أن العبرة بعموم لفظه فهو مخصص بمخصصات كثيرة: فقد استعار رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية أدراعه وهو كافر وقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: [بل هو عارية مضمونة مستردة] (رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي) . واستعان بخريت (عارف بالطريق) من"بني الديل"ليدله على الطريق من مكة إلى المدينة، وفدى أسرى"بدر"بتعليم أبناء المسلمين للقراءة والكتابة .. الخ. ومثل هذه مخصصات كثيرة عند من يقول: إن هذا داخل في باب (الاستعانة) ، وإلا فحديث [اذهب فإنا لا نستعين بمشرك] إنما هو في مثل تلك الحالة التي جاء فيها هذا الأعرابي يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يشاركه الغزو، ويقاسمه الغنيمة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: [اذهب فإنا لا نستعين بمشرك] وذلك بعد أن عرض الرسول عليه الإسلام فرفض. ولو قبله الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل هذا العرض الذي عرضه لكان هذا قدحًا في الجهاد الإسلامي ولكانت صورته صورة غزو من أجل المغنم وليس الأمر كذلك، فإن للمسلمين رسالة وهدفًا، وكذلك لا يناقض هذا الحديث تحالف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قبيلة"خزاعة"ضد"قريش"و"بكر"فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان بهذا يمثل جبهة سياسية في مقابل جبهة أخرى، وكان لا بد للرسول من أن يقبل من ينضم إليه، وينضوي تحت لوائه، ويطلب حمايته، ولو كان هذا الطالب من الكفار ما دام أنه آثر الانضمام والالتجاء إلى أهل الإسلام، والقتال تحت رايتهم، واللياذ بهم.