فهرس الكتاب
عليم (التوبة:98) ، وقال سبحانه وتعالى: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم} (التوبة:99) ، وكذلك أعلم الله رسوله والمؤمنين بشأن مشركي العرب وحميتهم وجاهليتهم، وكيفية التعامل معهم، وكذلك النصارى، ودينهم وجهالاتهم وضلالاتهم، ونفسية رهبانهم وقساوستهم، وكيفية التعامل معهم.
ولقد كان من الرعيل الأول من المسلمين من سبر غور الأمم والشعوب، وعرف القبائل ودرس الأنساب، وعرف نفسيات الناس، ولذلك كان تعاملهم معهم على أحسن الوجوه، والدارس لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم إلى أي مدى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الناس ويسبر أغوارهم، ويعرف كيف يتعامل معهم، وكذلك الشأن في خلفاء الرسول الراشدين، لقد كان"أبو بكر"عالمًا بالأنساب، دارسًا لنفسيات الناس، وكان"عمر"من أعلم الناس بشعوب الأرض ومقالاته في الشعوب التي غزاها لا تزال حية إلى اليوم، فقد قال في المجوس والروم مقالات هي بحق خلاصات عظيمة لنفسية هذه الشعوب. وهذا"عمرو بن العاص"أحد دهاة العرب الأربعة وأحد سياسيي العالم المعدودين يسمع المستورد القرشي يقول: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [تقوم الساعة والروم أكثر الناس] !! فقال عمرو بن العاص للمستورد القرشي:"أبصر ما تقول"قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمرو:"لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة. وأمنعهم من ظلم الملوك" (رواه مسلم، ج5، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب10) .
فانظر هذه الكلمات الموجزة التي توزن بالذهب والتي لخص فيها عمرو بن العاص أسباب قوة الروم -أي الأوروبيين- لأن المسلمين كانوا يسمون جميع أهل أوروبا بالروم، نظرًا لأن روما كانت يومًا ما عاصمة لمعظم أوروبا بل معظم العالم. انظر كيف يصف عمرو بن العاص الأوروبيين بما يدل على خبرة عجيبة جدًا بنفسياتهم ونظام حياتهم، فهم أحلم الناس عند فتنة وهذا ظاهر جدًا أنه عندما تقع بهم أزمة ومصيبة فإنهم يفكرون فيها تفكيرًا عميقًا قبل اتخاذ قرار وهذا أمر مشاهد في حالهم إلى اليوم، وكذلك هم أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة، فانظر كيف قامت أوروبا بعد الحرب الثانية التي دمرتها، وكيف عمرت في سنوات معدودات، وكيف نهضت"ألمانيا"بعد الهزيمة المنكرة في الحرب العالمية الأولى، ثم كيف قامت لتكون اليوم أعظم دول أوروبا بعد الهزيمة الساحقة في الحرب العالمية الثانية، وأما الصفة الثالثة فهي أنهم أسرع بل أوشك الناس كرة بعد فرة، أي عودًا إلى الهجوم بعد الانكسار، وهذا واقع ومشاهد وأنهم خير الناس لمسكين ويتيم، ولا شك أنهم من أعظم الناس على مدى التاريخ رعاية وعناية بمساكينهم وأيتامهم، ثم هم