فهرس الكتاب
أمنع الناس من ظلم الملوك ومن أجل ذلك أججوا الثورات الطويلة ضد الظلم والعسف وهم الذين اخترعوا النظام الديمقراطي الذي يجعل الحكم للشعب بعكس كثير من الشعوب التي قد ترضى بالعيش في ظلم الملوك والأمراء قرونًا وقرونًا .. حتى يخلصهم غيرهم، ويستنقذهم سواهم.
إن هذه الخبرة العظيمة بنفسية الشعوب هي التي مكنت المسلمين من التغلب عليهم وهذا"عمر بن الخطاب"-رضي الله عنه- يخبره المسلمون في فتح (الشام) أنهم لاقوا عناءً عظيمًا وبلاء من قائد روماني يسمى"الارطبون"راوغ المسلمين طويلًا وأوقع بهم في بعض الوقائع، وهزمهم في بعض المعارك بحيله وفكره ودهائه، فيقول"عمر":"سنحارب أرطبون الروم بأرطبون العرب"!! ثم يرسل لهم"عمرو بن العاص"!! داهية العرب وسياسيها الفذ، والذي يتغلب بالفعل في سنوات معدودات على"أرطبون"الروم. ويقابل مكيدة الروم بمكيدة العرب وتكون الغلبة لأهل العقيدة الصحيحة والتفكير السليم والمنهج الأعلى والأقوى.
باختصار: إن دراسة الخريطة السياسية أمر مهم بل شيء أساسي في أي حركة إسلامية سياسية صحيحة، فمن يفهم نفسيات الناس، وأخلاقهم وصفاتهم، يعلم كيف يتعامل معهم وأما من لا يفهم ذلك ولا يهتم بذلك فإن يكون كما قيل في القصة الرمزية كالدب الذي يرى على أنف صاحبه وهو نائم ذبابة ليزيحها عن أنفها بحجر عظيم ثم يقذف به أنف صاحبه حتى يطرد هذه الذبابة!!.
وكم في العمل والجهاد والدعوة الإسلامية من أمثال هذه الدببة التي تفسد حيث تريد الإصلاح، وتستشرف للفتنة حيث يحسن الاختباء، وتختبئ من المواجهة حيث يتحتم اللقاء، وتضرب حيث يكون الصفح والحلم هو الأولى والأليق، وتصفح وتحلم -زاعمة- حيث يكون الجهر بالسوء هو القاطع لمادة الشر والحاسم للفساد .. وكل هذا إنما هو من الجهل بالخريطة السياسية والجهل بالقوى والتكتلات المحيطة بالجماعة المسلمة، واحتقار شأن الآخرين، وعدم تقدير الأمور بمقاديرها الصحيحة، ولا شك أن هذا جهالة أي جهالة.
فلندرس الخريطة السياسية للمجتمع الذي نتحرك فيه، والعالم الذي نعيش فيه قبل أن نقدم على أي عمل، ولندرس نفسيات الناس والشعوب، وأخلاق الأمم، وعقائد الجماعات، لنعرف كيف نتصرف التصرف اللائق، وكيف نضع كل إنسان حولنا في الوضع الصحيح، مناصرًا أو عدوًا، أو إمعة تافهًا أو منافقًا خبيثًا، أو جاهلًا مطاعًا، أو سيدًا أو كريمًا، أو زنديقًا لئيمًا .. ولا نستطيع أن نصدر مثل هذه الأحكام إلا بعد دراسة وفهم سليم لمن حولنا، فلندرس الخريطة السياسية جيدًا قبل الحركة ولنتخذ الأسلوب المناسب للدعوة بعد هذه الدراسة.
هذه القواعد العشر هي أهم ما يحضرني الآن من القواعد"السياسية"التي يجب على الدعاة إلى الله السير بمقتضاها حتى تكون سياستهم شرعية، وحركتهم بالدين حركة صاعدة، وحتى يكسبوا