فهرس الكتاب
الحكومية ونحو ذلك لا بد فيها من ارتكاب بعض المحرمات فهل يترك ذلك من أجل هذه المحرمات، وبالتالي يكون الفساد أعظم، والشرك أكبر، ويستولي على أمور المسلمين ومؤسساتهم وأحزابهم ونقاباتهم، ووظائفهم، وأعمالهم أعداء الدين.
لا شك أننا إن رجعنا إلى نصوص الشريعة، وسياسة النبوة، والخلافة الراشدة، وجدنا أنه يجب دفع المفسدة العظمى بالمفسدة القليلة. وهذا من باب"ارتكاب أخف الضررين"وقد فصلنا هذا في كتابنا:"فصول في السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله".
ثانيًا: قولهم: إن العمل السياسي مشغلة عن الدعوة:
وأما القول بأن العمل السياسي مشغلة عن الدعوة إلى الله فهذا خطأ أيضًا لأن العمل السياسي الإسلامي يجب أن يكون دعوة إلى الله وإلا ما كان هذا سياسة شرعية، وإنما كان علوًا وفسادًا في الأرض، واستغلالًا للدين، واستبدالًا لطغيان بطغيان ولجاهلية بمثلها، فالعمل السياسي الإسلامي يجب أن يكون في ذاته دعوة إلى الله، فجمع الناس يجب أن يكون على أساس الدين، ولإعلاء كلمة رب العالمين، ولا تجوز مجاملة أحد في دين الله، ولا مراعاة خاطر كبير أو عظيم. بل عاتب الله رسوله عندما انصرف عن"ابن أم مكتوم"الأعمى إلى صنديد من صناديد قريش يدعوه. قال تعالى: {عبس وتولى* أن جاءه الأعمى* وما يدريك لعله يزكى* أو يذكر فتنفعه الذكرى* أما من استغنى* فأنت له تصدى .. } الآيات (عبس:1 - 5) .
فالسياسة الإسلامية تختلف شكلًا ومضمونًا عن السياسة الجاهلية المادية الخبيثة: السياسة الإسلامية سياسة طاهرة، تبتغي رفع شأن الإسلام والمسلمين، وتكريم أهل الدين وتحقير الكفر والكافرين، وإبلاغ رسالة رب العالمين، وإخراجًا للناس من الظلمات إلى النور وبالتالي فلا مجال فيها لمجاملة على أساس الدين، ولا لتجميع لكل من هب ودب من أجل إكثار العدد، وتكثير السواد، وقيادة الجماهير .. لا، السياسة الشرعية الإسلامية بغير ذلك، إنما هي تأليف وتربية وتوحيد لأمة الإسلام، والفرقة الناجية، وأهل التوحيد والصلاة والقبلة، في واجهة واحدة ضد أهل الكفر والزندقة والإجرام، والسياسة الشرعية إعلاء كلمة الله، وليست توصيلًا لأناس مسلمين، واستبدالًا لحزب جاهل بحزب آخر يدعي الإسلام ولا يلتزم به، وينادي بالدين ولا يتأدب بأخلاقه.
وبهذا المفهوم الذي ننادي به للعمل السياسي الإسلامي نقول: إنه ليس مشغلة عن الدعوة بل هو الدعوة ذاتها، وهو الجهاد ذاته، فالسياسي المسلم داعية، ومرب، وخطيب ومجاهد، وقائد وساع في مصالح الناس، ومتعهد لشؤونهم ومفزع وملاذ لأهل الحاجات، والمساكين والفقراء، ومدافع عن حوزة الدين، ومنافح عن عقيدة الإسلام وحرمات المسلمين، ومؤلف لقلوبهم، وساهر على مصالحهم، هذه هي السياسة الشرعية التي نريدها. دفاعًا عن حرمات المسلمين وأوطانهم