الصفحة 36 من 41

ومقدساتهم وقيادة لجيوشهم، وحربًا لأعداء الله داخل أوطان المسلمين وخارجها .. وهذه هي الدعوة الحقيقية والجهاد الحقيقي، وأما تأليف الكتب وتدريس العلم والوقوف عند هذا الحد فهذا جانب من الدعوة والجهاد ولكنه ليس هو جهاد النبي ولا هو عمل الصحابة والسلف .. ومثل هذا الجهاد العلمي قد يكون جائزًا الاكتفاء به في أوقات الأمن والراحة وعزة الإسلام وامتداد الخلافة والسلطان .. ولكنه حتمًا غير جائز الاكتفاء به في أيام الشر والفتنة وغلبة أعداء الله على ديار الإسلام والمسلمين وتبدل الأوضاع، وسقوط الخلافة وضياع الدين، وتجبر المجرمين، وانتهاك أعراض المسلمين. في مثل هذه الأحوال يصبح الجهاد العلمي وحده تقصيرًا وإثمًا، لا يعذر الله به إلا أهل الأعذار من المستضعفين وذوي العاهات، والذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلًا. فمثل هؤلاء قد يعذرهم الله بقعودهم وعدم بذل أرواحهم وأموالهم في سبيل الله، وأما أهل الاستطاعة فلا عذر لهم لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وهذه بيعة الله لأهل الإيمان جميعًا وليس لطائفة مخصوصة منهم فمن أوفى ما عاهد الله عليه فقد أوفى وله الجنة، ومن قعد فلا شك أنه معرض لسخط الله وعقوبته. نعم قد يكون الجهاد العلمي والتعليمي فقط بداية وتمهيدًا للأرض، وإيجادًا للرجال، وبناءً للأفراد القادرين على حمل الأمانة، ومصارعة الباطل، وخوض غمار الجهاد كله قولًا للحق، ودفعًا لأهل الباطل، وحربًا للكافرين، والمنافقين .. أما أن يكون تأليف الكتب، وتنقية التراث، وتصفية المكتبة الإسلامية مما علق بها، أن يكون هذه هو الجهاد والدعوة فلا .. وخاصة في أيامنا هذه التي أصبح حتمًا على كل أحد أن ينفر في سبيل الله، وأن تمارس الأمة كلها الجهاد بكل أنواعه، وعلى كل حال فإن الجهاد في تنقية التراث جهاد ولكنه يقي ثغرة واحدة من ثغور الإسلام، وهو جهاد لا غنى عنه لتصحيح المعتقد، وتقويم العبادة، وتنقية تراث الأمة، وتصحيح التربية. ولكنه ليس نهاية المطاف وخاتمة العمل. بل هو البداية، والحمد لله الذي حفظ لنا أصول ديننا، فهذا كتاب الله بين أظهرنا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهذه السنة التي قيض الله لها الجهابذة عبر القرون فحفظوها ودونوها وفصلوا بين صحيحها وضعيفها حتى أتتنا -بحمد الله- نقية صافية خالصة.

ولا شك أننا لو عملنا اليوم بكتاب الله وما صح لدينا من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم مما اتفق عليه أئمة النقد وجهابذة الحديث لكفانا هذا هداية، وقيامًا بأمر الله، ولا شك أيضًا أن المؤلفات الطيبة الكثيرة في العقائد ومسائل الإيمان والتفسير، والفقه وأصوله .. كافية جدًا لو فقهناها، وطبقنا ما فيها ونشأنا الأجيال عليها، ثم اهتدينا فيما يستقبلنا من مشكلات وأحداث جديدة بما نستنبطه من كتاب الله وما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم .. لو فعلنا ذلك لكنا من أعظم المهتدين، والمجاهدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت