الصفحة 47 من 48

يقول كرومر: (إن المصري المتحرر يسبق الأوربي المتحرر في التنور، وحرية الفكر والحيرة، إنه يجد نفسه في بحر هائج لا يجد فيه سكانًا ولا ربانًا لسفينته، فلا ماضيه يضبطه، ولا حاضره يفرض عليه الحواجز الخلقية، إنه يشاهد أن الجمهور من مواطنيه يعتقدون أن الدين يعارض(الإصلاحات) التي يراها جديرة كل الجدارة بالنفاذ، إن ذلك يثير فيه السخط، والكراهية الشديدة للدين الذي يؤدي إلى مثل هذه النتيجة، فيدوسه بقدمه وينبذه بالعراء، إنه إذا قطع الصلة عن دينه وتعاليمه فلا يحجزه عن التورط في المزالق الخلقية إلا مصلحته الشخصية السافرة، مع أن الأوربي الذي يحرس على تقليده، لا يزال متقيدًا بشرائع أمته الخلقية. إن المجتمع الذي يتكون من مثل هؤلاء الأفراد المتحررين في مصر، لا ينكر على الكذب والخديعة إنكارًا شديدًا، ولا يمنعه من ارتكاب الرذائل خوف سوء الأحدوثة في المجتمع، إنه إذا رفض دين آبائه، فإنه لا يلق عليه نظرة عابرة، إنه لا يرفضه فحسب، بل يرفسه ويركله برجله، إنه يترامى في أحضان الحضارة الغربية متعاميًا عن كل حقيقة، ويغيب عنه أن الجانب الزاهر البراق للحضارة الغربية ليس إلا الجانب الخارجي من جوانب هذه الحضارة، إن الحقيقة أن القوة الخلقية التي تنبع من التعاليم المسيحية هي التي تضبط سفينة الحضارة الغربية وتمنعها من الاضطراب الزائد في البحر الهائج، ولما كانت هذه القوة قوة باطنية، فإنها تتوارى في غالب الأحيان عن أنظار المتشبهين الزائفين بأبنائها الحقيقيين، إنه يحلف ويقول: إنه نبذ التعصب الديني، وأنه يحتقر تعاليم آبائه. إنه يقول لزميله الأوربي: إننا أصبحنا نملك الخط الحديدي، وقد أسسنا في بلادنا مدارس عصرية، وأنشأنا الجرائد والمحاكم، ومظاهر الحياة الحديثة، والمدنية العصرية التي تتكون منها حضارتكم، فكيف نُعتبر متخلفين عنكم وأحط شأنًا منكم؟ إنه يجهل أنه لا يستطيع أن يجاري زميله الغربي ويكون ندًا له، فإن المسيحي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت