الصفحة 104 من 409

المسجد الأقصى غايةَ الإسراء الذي وقع التعجب فيه بعظيم القدرة، والتمدح بتشريف النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - به وإظهار الكرامة له بالإسراء إليه. قال هؤلاء: ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره، فيكون أبلغ في المدح.

ثم اختلفت هذه الفرقتان: هل صلى ببيت المقدس أم لا؟

-ففي حديث أنس وغيره ما تقدم من صلاته فيه. وأنكر ذلك حذيفة بن اليمان، وقال: والله ما زال عن ظهر البراق حتى رجع.

قال القاضي والحق من هذا والصحيح إن شاء الله ـ إنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها، وعليه تدل الآية، وصحيح الأخبار، والإعتبار، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الإستحالة، وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة، إذ لو كان منامًا لقال: بروح عبده، ولم يقل: بعبده ... وقوله تعالى: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) (النجم: 17) ، ولو كان منامًا لما كانت فيه آية ولا معجزة، ... ولما استبعده الكفار، ولا كذبوه فيه، ولا ارتد به ضعفاء من أسلم، وافتتنوا به، إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر، بل لم يكن منهم ذلك إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه وحال يقظته، إلى ما ذكر في الحديث من ذكر صلاته بالأنبياء ببيت المقدس في رواية أنس ـ أو في السماء على ما روي غيره وذكر مجيء جبريل له بالبراق وخبر المعراج، واستفتاح السماء، فيقال: من معك؟ فيقول: محمد، ولقائه الأنبياء فيها، وخبرهم معه، وترحيبهم به، وشأنه في فرض الصلاة ومراجعته مع موسى في ذلك

وفي بعض هذه الأخبار: فأخذ ـ يعني جبريل ـ بيدي فعرج بي إلى السماء ... إلى قوله: ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام وأنه وصل إلى سدرة المنتهى، وأنه دخل الجنة، ورأى فيها ما ذكره.

-قال ابن عباس: هي رؤيا عين رآها النبي - صلى الله عليه وسلم - لا رؤيا منام.

وعن الحسن فيه: بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني بعقبه، فقمت فجلست فلم أر شيئًا، فعدت لمضجعي ـ ذكر ذلك ثلاثًا، فقال في الثالثة: فأخذ بعضدي فجرني إلى باب المسجد فإذا بدابة.

وذكر خبر البراق.

-وعن أم هانىء: ما أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وهو في بيتي، تلك الليلة صلى العشاء الآخرة، ونام بيننا، فلما كان قُبَيْل الفجر أهبَّنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما صلى الصبح وصلينا قال: يا أم هانىء، لقد صليت معكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت