الصفحة 103 من 409

-وأما قوله: الذي يلي الرحمن فيُحمل على حذف المضاف، أي يلي عرش الرحمن، أو أمرًا ما من عظيم آياته، أو مبادىء حقائق معارفه، مما هو أعلم به، كما قال تعالى: (( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) (يوسف: 82 ) )، أي أهلها.

-وقوله: فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر فظاهره أنه سمع في هذا الموطن كلام الله، ... ولكن من وراء الحجاب، كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ) (الشورى: 51) ، أي وهو لا يراه، حجب بصره عن رؤيته.

فإن صح القول بأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه عز وجل ـ فيحتمل أنه في غير هذا الموطن بعد هذا أو قبله، رفع الحجاب عن بصره حتى رآه. و الله أعلم.

الفصل الثالث

هل كان الإسراء بالروح أو بالجسد؟

ثم اختلف السلف والعلماء: هل كان إسراؤه - صلى الله عليه وسلم - بروحه أو جسده؟ على ثلاث مقالات: فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح، و أنه رؤيا منام، مع اتفاقهم أن رؤيا الأنبياء حق ووحْي، وإلى هذا ذهب معاوية.

وحكى عن الحسن، والمشهور عنه خلافه، وإليه أشار محمد بن اسحاق، وحجتهم قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ) (الإسراء: 60) .)

وما حكوا عن عائشة رضي الله عنها: ما فقدت جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وقوله: بينا أنا نائم.

وقول أنس: وهو نائم في المسجد الحرام ... وذكر القصة، ثم قال في آخرها: فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام.

-وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة، وهذا هو الحق، وهو قول ابن عباس وجابر، وأنس، وحذيفة، وعمر، وأبي هريرة، ومالك بن صعصعة، وأبي حبة البدري، وابن مسعود، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن المسيب، وابن شهاب، وابن زيد، والحسن، وإبراهيم، ومسروق، ومجاهد، وعكرمة، وابن جريج، وهو دليل قول عائشة، وهو قول الطبري، وابن حنبل، وجماعة عظيمة من المسلمين. وقول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين.

-وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، واحتجوا بقوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) (الإسراء: 1) فجعل إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت