فهرس الكتاب
و لما كان ما كاشفه به عليه السلام من ذلك الجبروت، و شاهده من عجائب الملكوت لا تحيط به العبارات ولاتستقل بحمل سماع أذناه العقول ـ رمز عنه تعالى بالإيماءة و الكناية الدالة على التعظيم، فقال تعالى: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) - النجم 10 - .
و هذا النوع من الكلام يسميه أهل النقد و البلاغة بالوحي و الإشارة، و هو عندهم أبلغ أبواب الإيجاز.
و قال تعالى: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) - النجم8 1 ـ انحسرت الأفهام عن تفصيل ما أوحى، ... و تاهت الأحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى.
-قال القاضي أبو الفضل: اشتملت هذه الآيات على إعلام الله تعالى بتزكية جملته - صلى الله عليه وسلم -، و عصمتها من الآفات في هذا المسرى، فزكى فؤاده و لسانه و جوارحه: فزكى قلبه بقوله: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) . و لسانه بقوله: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى) .و بصره بقوله: (َما زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى)
-وقال تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ *ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ *وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ *وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * ) ) -التكوير 15 - - 25 - .
(لا أقسم) : أي أقسم. (إنه لقول رسول كريم) ، أي كريم عند مرسله. (ذي قوة) على تبليغ ما حمله من الوحي (مكين) : أي متمكن المنزلة من ربه، رفيع المحل عنده، (مطاع ثم) : أي في السماء. (أمين) على الوحي.
-قال علي بن عيسى وغيره: الرسول الكريم هنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فجميع الأوصاف بَعْدُ على هذا له.
-وقال غيره: هو جبريل، فترجع الأوصاف إليه.
(وَلَقَدْ رَآهُ) ـ يعني محمدًا. قيل: رأى ربه. و قيل: رأى جبريل في صورته.
(وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) ، أي: بمتهم. و من قرأها بالضاد فمعناه: ما هو ببخيل با لدعاء به، و التذكير بحكمه و بعلمه، و هذه لمحمد - صلى الله عليه وسلم - باتفاق.
-وقال تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ *إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ *إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ *) - القلم 1 - 16 - .