فهرس الكتاب
أقسم الله تعالى بما أقسم به من عظيم قسمه على تنزيه المصطفى بما غَمَصَتْه الكفَرة به، و تكذيبهم له، و آنسه، و بسط أمله بقوله ـ محسنًا خطابه: (مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) . و هذه نهاية المبرة في المخاطبة، و أعلى درجات الآداب في المحاورة، ثم أعلمه بما له عنده من نعيم دائم، و ثواب غير منقطع، لا يأخذه عد، و لا يمتَنّ به عليه، فقال تعالى: (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ) .
ثم أثنى عليه بما منحه من هباته، و هداه إليه، و أكد ذلك تتميمًا للتمجيد، بحرفي التأكيد، فقال تعال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) . قيل: القرآن و قيل: الإسلام. و قيل: الطبع الكريم. و قيل: ليس لك همة إلا الله.
-قال الواسطي: أثنى عليه بحسن قبوله لما أسداه إليه من نعمه، و فضله بذلك على غيره، لأنه جبله على ذلك الخلق، فسبحان اللطيف الكريم، المحسن الجواد، الحميد الذي يسر للخير و هدى إليه، ثم أثنى على فاعله، و جازاه عليه سبحانه، ما أغمَر نوالَه، و أوسعَ إفضاله، ثم سلاه عن قولهم بعد هذا بما و عده به من عقباهم، و توعدهم بقوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ *إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) - القلم ... 5 - 7
ثم عطف بعد مدحه على ذم عدوه، و ذكره سوء خلقه، و عد معايبه، متوليًا ذلك بفضله، و منتصرًا لنبيه، فذكر بضع عشرة خصلة من خصال الذم فيه بقوله: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ *إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ *) ثم ختم ذلك بالوعيد الصادق بتمام شقائه وخاتمة بواره بقوله تعالى: (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ * ) ) . فكانت نُصرة الله تعالى له أتم من نصرته لنفسه، و رده تعالى على عدوِّه أبلغ من ردِّه، وأثبت في ديوان مجده.
الفصل السادس
فيما ورد من قوله تعالى في جهته عليه السلام مورد الشفقة و الإكرام
قال تعالى: (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى *) - طه 1 - 2
-قيل: طه: اسم من أسمائه عليه السلام. و قيل: هو اسم الله، و قيل: معناه يارجل. و قيل: يا إنسان. و قيل: هي حروف مقطعة لمعان.