الصفحة 85 من 409

موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين، ما سوى ذلك، أشعر الذراعين ... والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شئن الكفين والقدمين، سائل الأطراف ـ أو قال: سائن الأطراف، سبط العصب، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفأً، ويمشي هونًا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعًا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، و يبدأ من لقيه بالسلام.

قلت: صف لي منطقه.

-قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام و يختمه بأشداقه، و يتكلم بجوامع الكلم فصلًا، لا فضول فيه ولا تقصير، دمثًا ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئًا، لم يكن يذم ذواقًا، ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، و إذا تعجب قلبها وإذا تحدث اتصل بها، فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام.

قال الحسن: فكتمتها الحسين بن علي زمانًا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، فسأل أباه عن مدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومخرجه ومجلسه وشكله، فلم يدع منه شيئًا.

-قال الحسين: سألت أبي عن دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: كان دخوله لنفسه مأذونًا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءًا لأهله، و جزءًا لنفسه، ثم جزأ جزأه بينه و بين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئًا، فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه و قسمته على قدر فضلهم في الدين، منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم، والأمة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، و أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانًا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة. لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره.

وقال في حديث سفيان بن وكيع: يدخلن روادًا، و لا يتفرقون إلا عن ذواق، و يخرجون أدلة ـ يعني فقهاء.

قلت: فأخبرني عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت