الصفحة 86 من 409

-قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخزن لسانه إلا مما يعنيهم ويؤلفهم ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ... ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد بشره وخلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقتصر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره، الذي يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ... و موازرة.

فسألته عن مجلسه: عما كان يصنع فيه.

-فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه فيه، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه

من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول. قد وسع ا لناس، بسطه و خلقه، فصار لهم أبًا، وصاروا عنده في الحق سواء، متقاربين متفاضلين فيه التقوى.

وفي الرواية الآخرى: صاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤْبن فيه الحرم، ولا تثنى فلتاته ـ وهذه الكلمة، من غير الروايتين ـ

يتعاطون فيه بالتقوى متواصفين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ... ويرحمون الغريب.

فسألته عن سيرته - صلى الله عليه وسلم - في جلسائه.

-فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب، و ا فحاش، ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي ولا يُؤْيَس منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطير، إذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث. من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، و يتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، ويقول: إذا رأيتم صاحب الحجة يطلبها فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافىء، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت