الصفحة 13 من 14

وبهذا تعلم أنني رضيت دعوى أبي محمد، والتمست غير أدلته ما يتفق ومنهجي في عصمة الدعوى ببرهان يقيني لا يغلب.

ومن مذاهبهم في الشبهية: أن ينظروا في المحل، فإذا كان فيه خمسة أوصاف من التحليل، وأربعة من التحريم: غبوا الذي فيه خمسة أوصاف.

قال أبو عبد الرحمن: ننظر أولا: هل هذه الأوصاف معتبرة بمنطوق الشرع أم لا ؟ فإذا صح اعتبارها: فلا مانع من ترجيح الأكثر وصفًا؛ لأن ضرورة العقل قضت بأن نأخذ بالأرجح، ولأن ترجيح المرجوح سفه، والضرورة العقلية حجة شرعية [1] .

وهكذا نقول عن بقية المعاني العقلية التي شرعوا بموجبها، فنقصر الأسباب والعلل على أماكنها، إلا إذا ورد نص باعتبارها في التسوية في الحكم، وكذلك اطراد وصف ما، أو شبه ما، أو على ما، أو أي معنى ما، لا نجعله حجة إلا يطرد الشرع له.

ومن معانيهم العقلية: الاحتياط بأكثر ما قيل، وسد الذرائع، والخروج من عهدة الخلاف، وأيدوا ذلك بحديث: ( فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ) .

ومذهب أبي محمد وهو الحق الذي لا يحل خلافه: أن الاحتياط في التوقف عن القول على الله بغير علم في متشابه القرآن، والتوقف عن محذور تيقنا وجوده، كالوضوء بماءين نعلم يقينًا أن أحدهما نجس، ولا نعلم أيهما النجس، فمن توضأ بهما، أو بأحدهما: فلم يحتط.

أما أن نشرع شيئًا من عندنا احتياطًا: فلا، كإسقاط شهادة العدول إذا كانوا أبناء احتياطًا عن المحاباة.

والصواب أن يقال: هل ورد بنص شرعي أن تهمة القرابة تمنع من الشهادة احتياطًا ؟

وحينئذ فالحكم للنص، وإلا فالأصل قبول شهادة العدول، وعلى هذا: فمن قوى في الظن أنه يحابي: تركنا شهادته، لا بالاحتياط، وإنما للخل في عدالته.

قال أبو عبد الرحمن: تقبل شهادة أحمد بن حنبل لابنه على أجل الأمر خطرًا، فلا ترد شهادة إمام السلف احتياطًا من تهمة الأبوة، ولا تقبل شهادة أبي نواس في حبة خردل؛ لأنه غير عدل، لا لأنه أب.

(1) نهاية صفحة 32

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت