فهرس الكتاب
وما كان غيريًا من بعض الوجوه فلا يجوز أن تساويه بغيره لمشابهته له من بعض الوجوه؛ لأن هذه التسوية تذيب الغيرية.
فلا محيص من القول بأنهما مثلان فيما اشتبها فيه، وأنهما غيران فيما اختلفا فيه.
هذه بديهة، وإذا تجلت هذه البديهة فلا بد أن ننظر في هذه الشبهية التي اقتضت الحكم الشرعي عندهم، وعلاقتها بالنص، فلا تخلو الحال من أحد أمرين لا ثالث لهما:
1-أن يكون النص ورد في الشبهية ذاتها، كقوله تعالى: { فمن اعتدى [1] عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وقوله: { فجزاء مثل ما قتل من النعم } ففرض أن نطبق حكم هذا الوصف في أي محل وجد.
فالشاة مثل الظبي، والنعامة مثل الناقة، وتحقيق المثلية موكول إلى اجتهاد ذوي العدل منا، وإذ قررنا أن كل موجودين تماثلًا لا بد أن يتغايرا بوجه.
فقد يكون هذا الغير مانعًا من حكم الوصف الذي اشتبها فيه، كالاعتداء يتماثل فيه القتل بالسيف، والقتل بالنكاح المحرم، فنقول: القتل بالسيف مثل القتل بالنكاح في وجوب الاقتصاص؛ لأنهما اعتداء، والنص ورد بالوصف الذي اشتبها فيه، ولم يرد بالمحل، إلا أنه يمنع من تطبيق الحكم الذي اشتبها فيه الغير الذي اختلفا فيه، وهو النكاح المحرم، ولهذا لا أقول كما قال أبو محمد: يستدبر بوتد حتى يموت.
وإنما أقول: وجد المقتضى وهو الاعتداء الذي تماثلا فيه، ووجد المانع، وهو النكاح المحرم، وهذا داخل في قانون التعارض، والصرف عن الظاهر.
2-أن يكون النص ورد بالمحل: كوجوب الغسل من ولوغ الكلب سبع مرات.
وإذن: فتعدية الحكم إلى الخنزير بأي وجه اشتبها فيه افتيات على الله؛ لأن النص ورد في الكلب، ولم يرد في صفة معينة توجد في الكلب، إذ لم يقل النص: إذا ولغ الحرام أكله، أو إذا ولغ النجس، أو إذا ولغ ذو الناس، أو إذا ولغ ذو الذنب الطويل المعكوف ... الخ، وهذه الاستدلالات البديهية لم يذكرها أبو محمد.
(1) نهاية صفحة 31