الصفحة 11 من 14

خذ مثال ذلك: قولنا: تستجلب المصلحة الكبرى بالمفسدة الصغرى ) فهذا دليل عقلي؛ لأن الشرع لم يأت نصًا بهذه البديهة، ولكنها حكم شرعي؛ لأن مقتضاها مقتضى الشرع على حسب فهم العقل، والدليل على ذلك أنه لا بد من أحد أمرين لا ثالث لهما:

1-أن نترك المصلحة الكبرى لأدنى ضرر: وهذا يخالف الشرع؛ لأنه كلفنا واجبات ليس فيها ما هو متمحض للمصلحة الخالصة، بريء من أدنى ضرر، فلو لم تستجلب المصلحة الكبرى بالضرر الأدنى لتعطل الشرع، وهذا محال.

2-أن نستجلب المصلحة الكبرى بالضرر الأدنى: وهذا هو المتعين، وهكذا كل ضرورات العقل التي يجر تركها إلى محال تعتبر دليلًا شرعيًا إذا تعلقت بمسائل الشرع؛ لأن المحال قسمان:

1-محال في شرع الله كما بينته في المثال السابق [1] .

2-محال في تكوين الله: كأن يكون الشيء موجودًا، أو غير موجود في زمان، ومكان واحد.

والشرع لا يأتي بمحال بدليل آيات رفع الحرج، والمحال أحرج الحرج، وما عدا ذلك من العقليات بغير الشرع فنعتبره من المصادر المرفوضة، كالشبهية، والمثل، جعلوها مصدرًا للحكم، فإذا وجدوا في مكانين لم ينص على حكم أحدهما: استمدوا منها حكم المنصوص عليه، وذلك بالقياس.

قال أبو عبد الرحمن: كل موجود في ترتيب الله الذي أدركناه بقسمة العقل لا يخلو من أمرين لا ثالث لهما:

1-أن يكون هذا الموجود غير الموجود ولا يشبهه، ولا يماثله، بوجه من الوجوه.

2-أن يكون هذا الموجود غير ذلك الموجود ولكنه يشبهه من وجه، أو أكثر.

وقد تقول: بل هناك قسم ثالث، وهو:

3-أن يكون هذا الموجود غير ذلك الموجود، ولكنه يشبهه من كل وجه.

قال أبو عبد الرحمن: لو أشبهه من جميع الوجوه لكان هو، إلا أن قانون الذاتية ( الهو هو ) يأبى ذلك.

وإذا اتضح هذا: فما كان غيريًا من كل الوجوه، فلا مدخل للشبهية فيه.

(1) نهاية صفحة 30

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت