الصفحة 102 من 138

... -وعند التدقيق يظهر جليًا أنه لم يقل أحد بجعل المصلحة دليلًا على الفعل- ومن ينسب إلى أحد مثل هذا القول مطلوب منه الدليل من غير اجتزاء ولا تحريف- والذين قالوا بالمصالح المرسلة إنما أرادوا أن للإنسان أن يختار في منطقة المباح بحسب مصلحته أو منفعته أو الأنسب له، وهذا الأمر لا ضير فيه، وقد تحدثوا عن الوسائل والأساليب التي كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. فالوسائل تخضع لقاعدة البراءة الأصلية وهي: الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم. والأساليب تكون بحسب الفعل المراد القيام به وبحسب الوسائل المتوفرة أو الممكنة له. فالأساليب إذًا تتعدد وتتبدل وتتطور حسب تعدد وتبدل وتطور الوسائل الممكنة. فإذا كانت الوسائل مباحة، والفعل الذي يراد القيام به مباحًا، تأخذ الأساليب حينئذٍ حكم الإباحة أو حكم الفعل بتفصيل لسنا في صدده. وكمثال للتوضيح: نأخذ الجهاد مثلًا فهو فرض، وله وسائل، منها السيف والرمح والترس والفرس، ومنها الدبابة والطائرة والمدفع وغيرها، فهذه كلها من الأشياء المباحة في القتال. واستعمال السيف والرمح وما شابهها يقتضي أساليب قتالية تختلف عن الأساليب التي تقتضيها الأسلحة الحديثة. وكذلك نقل الأخبار التي كانت تعتمد على الإنسان والخيل أو على الحمائم، فقد تبدلت الوسائل وتغيرت الأساليب فأصبحت تنقل بواسطة التليفون أو الفاكس أو غيره. فهذه الأساليب حكمها حكم الوسائل أو حكم الفعل المأمور به، إذا لم يكن هناك أسلوب آخر. ومن الأمثلة كذلك انتخاب الخليفة، فقد يكونه عن طريق أخذ رأي أهل الحل والعقد، أو عن طريق أخذ رأي الأمة كلها، أيّ ذلك كان فهو جائز بشرط أن يعبّر عن رضى الأمة واختيارها. وقد يؤخذ رأي الناس عن طريق خروج من يجمع آراء الناس، أو عن طريق رفع الأيدي ومعرفة الأكثرية، أو عن طريق صناديق الاقتراع السرية. فكل هذه أساليب، فهي جائزة إذا كان العمل الذي يقام به بواسطتها جائزًا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت