فهرس الكتاب
... فالمثل الأول هو قتل جماعة من المسلمين لأجل حفظ كل المسلمين. فإن حفظ المسلمين من الإبادة وحسم القتل فيهم أو تقليله مقصود للشرع بأدلة كثيرة. ولكن قتل جماعة من المسلمين ليس فيه نص خاص. بل لو كان الموضوع مجرد قتل لجماعة من المسلمين أو لمسلم واحد بغير حق لكان ذلك منهيًا عنه. فهذا أمر ليس فيه نص ولكن فيه مصلحة، وهي مصلحة باعتبار الشرع دلت عليها نصوص كثيرة. فهل تقتل جماعة من المسلمين -وهو أمر ليس فيه نص- لأجل تلك المصلحة، يشترط هنا الغزالي أن تكون المصلحة ضرورية، أي لا يكفي أن تكون حاجية أو تحسينية، وأن تكون كلية أي لحفظ الكل ولو على حساب الجزء أو البعض، كما يتضح من المثل الذي أتى به في حالة المسلمين في السفينة. ويشترط أن تكون قطعية لا ظنية كما في حالة التترس بمسلم في قلعة. وهذه الأمثلة قال الغزالي فيها وفي مثلها:"وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها بل يجب القطع بكونها حجة، وحيث ذكرنا خلافًا فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين وعند ذلك يجب ترجيح الأقوى" (1) وهذه الأمثلة التي أوردناها عنه هي من قبيل تعارض المصالح والمقاصد. فالشرع دلت نصوصه على طلب حفظ الكل وحفظ البعض أو الجزء. ولكن وجد التعارض بحيث لا يمكن إلا إهدار أحدهما إما الكل وإما الجزء. فما هو الذي يتم إهداره؟ هنا أيضًا يرفض الغزالي أن يكون تحديد أيهما الذي يهدر راجعًا إلى العقل، بل لا بد أن الشرع هو الذي بين أي المصلحتين أو المقصودين هو الأولى والأرجح. وقد أورد نقاشًا في ذلك قال (2) :"في مسألة الترس مخالفة مقصود الشرع حرام، وفي الكف عن قتال الكفار مخالفة لمقصود الشرع، فإن قيل لا ننكر أن مخالفة مقصود الشرع حرام ولكن لا نسلم أن هذه مخالفة، قلنا: قهر الكفار واستعلاء الإسلام مقصود وفي هذا استئصال الإسلام واستعلاء الكفر، فإن قيل فالكف عن المسلم الذي لم"
(1) المستصفى، ص 311.
(2) نفسه، ص 312.