فهرس الكتاب
... فإذا قلنا إن المصلحة المرسلة هي ما كان مصلحة بنظر العقل، ولم يرد دليل بالاعتبار لا من الكتاب ولا من السنة ولا من الإجماع فهي مردودة عنده. فهذا واضح من تتبع أقواله، وليس البحث في الكلمة إذ لا مشاحة في الاصطلاح وإنما البحث في معنى الاصطلاح.
... وربما استشكل الأمر على البعض من خلال الأمثلة التي يأتي بها الغزالي عند حديثه عن الاستصلاح. فنورد بعضها لتوضيح ذلك.
... يقول (1) :"إن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين ولو رمينا الترس لقتلنا مسلمًا معصومًا لم يذنب ذنبًا وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضًا فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع لأننا نعلم قطعًا أن مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل وكان التفاتًا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصود الشرع لا بدليل واحد وأصل معين بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين، فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق قطعية كلية، وليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم إذ لا يحل رمي الترس إذ لا ضرورة. فبنا غنية عن القلعة فنعدل عنها إذ لم نقطع بظفرنا بها لأنها ليست قطعية بل ظنية، وليس في معناها جماعة في سفينة لو طرحوا واحدًا منهم لنجوا وإلا غرقوا بجملتهم لأنها ليست كلية إذ يحصل بها هلاك عدد محصور وليس ذلك كاستئصال كافة المسلمين..".
(1) المصدر نفسه، ص294.