الصفحة 117 من 138

... والواضح من أقوال الغزالي كما وردت في المستصفى أن معنى المصلحة المرسلة عنده مغاير لمعنى الاستصلاح. فالاستصلاح هو التشريع بناء على المصلحة كما يراها أو يقررها العقل، وهذا هوى. ولذلك ردها وعدّها كالاستحسان في الحكم، كما بينا من نصوصه فيما سبق. أما المصلحة المرسلة عنده فليست كذلك، وإنما هي التي دل الشرع على أنها مقصودة بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع. يقول:"وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودًا بالكتاب والسنة والإجماع فليس خارجًا من هذه الأصول لكنه لا يسمى قياسًا بل مصلحة مرسلة إذ القياس أصل معين وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة" (1) . ولذلك فهو يتفق هنا مع القرافي والشاطبي من حيث إن المصلحة المرسلة ليست هي المرسلة من الدليل بمعنى الخلية عن الدليل مطلقًا، بل لها دليل أو أدلة كثيرة لا حصر لها. والكلام ليس على لفظ المصلحة المرسلة، بل على المعنى المقصود بها، فإذا كان المعنى المقصود أنها مرسلة من الدليل بإطلاق، فلم يقل بها أحد. وإن كان المقصود أنها لها أدلة خارجة عن الحصر ولكن ليس لها دليل معين خاص بها، فلا خلاف في اعتبارها. يقول الغزال:"وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها بل يجب القطع بكونها حجة" (2) .

... وعليه فإن الغزالي يميز بين الاستصلاح والمصلحة المرسلة،فيرد الاستصلاح قولًا واحدًا لأنه هوى وليس من الوحي، ويقبل المصلحة المرسلة إذا كانت مقصودة للشرع، عرف كونها مقصودة بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع.

(1) المستصفى، ج1، ص 311.

(2) المصدر نفسه، ص 311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت