فهرس الكتاب
... ومما قاله الغزالي أيضًا ردًا على الذين يتوهمون قوله بالمصلحة (1) :"فإن قيل فقد ملتم في أكثر هذه المسائل إلى القول بالمصالح ثم أوردتم هذا الأصل في جملة الأصول الموهومة، فليلحق هذا بالأصول الصحيحة ليصير أصلًا خامسًا بعد الكتاب والسنة والإجماع والعقل (2) ، قلنا: هذا من الأصول الموهومة إذ من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطّرحة ومن صار إليها فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع".
ردّ شبهتين
... الشبهة الأولى: إن هناك مصالح معتبرة، ومصالح ملغاة، ومصالح لم يشهد لها الشرع باعتبار ولا إلغاء.
... ولنفترض هنا أن درء المفسدة داخل في معنى المصلحة. ومفاد القول أعلاه أن الشريعة إنما وضعت لجلب المصالح، أو أن المصالح هي البواعث على التشريع، وهي علل الأحكام. ولما كانت المصالح إنما هي شيء يقدره العقل، أي يقيسه بمقاييس البشر الخاضعة للخطأ والصواب ولكل ما فطره الله في الإنسان من خصائص، فإنه وُجِدَ عندما تُتُبِّعَت الأحكام أنها لم تأتِ كلها وَفْقَ المصالح المقدّرة. وكان هذا وحده كافيًا لنقض هذا القول من أساسه عند من قالوا بالمصالح عللًا للشريعة. إلا أنهم بدلًا من ذلك قالوا عن المصالح العقلية التي وجدوها مخالفة لنص الشرع أنها مصالح ملغاة، وعما وجدوه بعقولهم متفقًا مع نصوص الشريعة إنه مصلحة معتبرة.
(1) المستصفى ج1، ص 310.
(2) أي القياس.