الصفحة 122 من 138

... ومن طبيعة هذا المنهج -أي القول بالمصالح عللًا، والقول بالمصالح المعتبرة والمصالح الملغاة- أن يفضي عند البحث التشريعي إلى أن تتقرر المصلحة من الفعل، ثم يُبْحَثُ لها عن دليل يخدمها، فإن وُقِفَ على معنًى أو وصف مناسب في نص ما للمصلحة المقررة، حُكِمَ على الفعل بالجواز، وعلى المصلحة بأنها معتبرة. وإذا وُجِدَ نص يحرم الفعل المؤدي إلى تلك المصلحة، حُكِمَ على الفعل بالحرمة أو على المصلحة بأنها غير معتبرة. ولما كانت الأحكام الشرعية منزلة على أفعال العباد وليس على ما يسمونه مصلحة، فإنهم لم يجدوا لكثير من المصالح التي قرروها نصًا يدل عليها أو يقصد إليها. وكذلك لم يجدوا نصًا يمنعها. فقالوا إن الشرع لم يشهد لها باعتبار ولا إلغاء. وقال البعض لا حكم لها في الشريعة. ومثال ذلك أنهم لم يجدوا نصًا يدل على المصلحة الناتجة عن جمع القرآن، ولا نصًا يدل على المصلحة المتوخاة من إنشاء الدواوين، ولا نصًا يلغي أيًا منهما، فظنوا أن الفعلين لا يوجد عليهما دليل في الشرع. وبما أنه لا بد من دليل حتى يكون الفعل شرعيًا، أنشأوا دليلًا سَمَّوْه: المصلحة التي ليس لها دليل، وهي المصلحة المرسلة.

... نعم، ربما يعدم الدليل الذي يدل على المصلحة في فعل أو في كثير من الأفعال وذلك لأن الأدلة ليست موجهة إلى المصالح. ولكن توجد أدلة تبين أحكام هذه الأفعال. ولذلك فالخطأ في الأساس. وهو -أي الخطأ- جعلُ المصالح بواعثَ الأحكام وعللَها. وهذا القول منقوض بقول مصالح ملغاة، ثم بعد ذلك فاقدٌ لمعناه بقول مصالح لا معتبرة ولا ملغاة. ومقتضاه أن الشريعة ناقصة وهذا يناقض قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت