فهرس الكتاب
... ثم إذا كانت الأحكام تدل على المصالح، فماذا يقال عن المصالح الملغاة، أليس الصواب أن يقال إنها مفاسد، على قاعدة أن الأصل في التشريع مصالحُ العباد، فإذا الشرع ألغاها فلا بد أن تكون مفسدة. والنتيجة أن هذه المصالح مفاسد، أي أن هذه المصالح بتقدير العقل مفاسد بحكم الشرع. وإذا كان الأمر هكذا فليس ما يمنع أن يقال عما قالوا عنه إنه مصالح ليس لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء إنها مفاسد ليس لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء.
... ولذلك فإن هذا القول بمصالح معتبرة، ومصالح ملغاة، ومصالح لا معتبرة ولا ملغاة، لا فائدة منه ولا يصلح ليبنى عليه أي معنى طالما أن الشرع لم يدل على مصالح، وطالما أن هذه المصالح قد تكون مفاسد.
الشبهة الثانية: تقييد المصلحة بأن لا تكون مخالفة لنص أو إجماع أو قياس
... إنه نتيجة رد المصالح المرسلة، وعدم اعتبارها عند أكثر الأئمة والأصوليين، يعمد القائلون بها إلى وضع قيود أو ضوابط لها، منها أنها يجب أن تكون موافقة لمقصود الشارع، ويجب أن لا تخالف القرآن، ولا السنة، ولا الإجماع، ولا القياس، وذلك ليقولوا إنها ليست مصالح مطلقة، توهمًا أنها هكذا تصبح شرعية.
... أما القول إنها يجب أن تكون موافقة لمقصود الشارع، فقد بيّنا فيما سبق أن مقصود الشارع الذي هو المصلحة عندهم، ليس هو كذلك بدلالة النصوص، وهو ليس الحكم، وإنما هو نتيجة لتطبيق الحكم قد تحصل وقد تتخلف.
... أما إذا كان المقصود هو ما دل عليه الشرع وليس العقل، فلا ضير حينئذ من تسميته مصلحة أو منفعة أو أمرًا حسنًا أو غير ذلك. وهذا ليس مصلحة مرسلة وإنما هو مقصود للحكم دل عليه الشرع. وهو قد يُعَدّ علة بحسب اختلاف الأئمة والأصوليين في مسالك العلة.