الصفحة 43 من 138

... أما الذين توسعوا في استخراج المناسبة وعدّوها علة، ولو كانت مجردة عن الاعتبار الشرعي، وأفلتوا لعقولهم العنان ليبحثوا ويقدّروا ويقرّروا للأحكام عللًا لا يشهد لها الشرع بدلالة كلية ولا جزئية، فقد وقعوا في أخطاء، ولاحظوا أن تعليلاتهم ومقتضيات عقولهم كثيرًا ما تأتي مصادمة للشرع، ولاحظوا أن الشرع كثيرًا ما تكون أحكامه مخالفة لمقتضيات المناسب العقلي، مثال ذلك عدة الحرة وعدة الأمة وعورة الحرة وعورة الأمة، وكاعتبار الماء فقط في الطهارة، وعند فقده التراب، وعدم اعتبار المطهرات الكيماوية كالكحول وما شابهها، فهذا مما لا يتفق فيه الشرع مع المناسب العقلي.

... عند الوقوع في هذه التناقضات لوحظ أن من المناسب العقلي ما يأتي أحيانًا متفقًا مع الشرع، ومنه ما يظهر تصادمه مع الشرع. ومنه ما لا يوجد نص يؤيده ولا نص يرده. فقسموا المناسب إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: وهو المناسب الذي شهد له الشرع بالاعتبار ويطلق عليه المناسب المعتبر.

القسم الثاني: وهو المناسب الذي شهد الشرع بإلغائه، وهو الذي يقرره العقل علة للتشريع، ولكن الشرع يدل على عدم مناسبته وعدم عليته.

القسم الثالث: وهو المناسب -العقلي- الذي لم يشهد له الشرع باعتبار ولا إلغاء. وهو الذي يقال له المناسب المرسل.

... وقد قالوا إن المناسب هو المصلحة. فقالوا: المصلحة المرسلة. وهذا من قبيل اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم. إذ مهما كان الوصف الذي جاء لأجله الحكم فإن هذا الوصف مصلحة. والعقل لا يرى مناسبًا إلا ما يراه مصلحة. فكل العلل يجمعها وصف المصلحة. ثم إن المصلحة موجودة في كل حكم طلبه الشارع، والمفسدة موجودة في كل حكم نهى عنه الشارع، ودرء المفسدة مصلحة، فتكون المصلحة هي الوصف المناسب في أي حكم، سواء أكان طلب فعل أم طلب ترك.

أقسام المصالح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت