... وبناء على هذا، أي تقرير أن الوصف المناسب هو المصلحة، تم تقسيم المصالح من حيث الاعتبار، مثل تقسيم المناسب إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المصالح المعتبرة وهي التي شهد لها الشرع بالاعتبار بدليل نص عليها.
القسم الثاني: المصالح الملغاة وهي التي شهد الشرع ببطلانها، وذلك كفتوى يحيى بن يحيى الفقيه المالكي للخليفة عبد الرحمن بن الحكم الأموي لما واقع في نهار رمضان أن عليه صوم شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه ذلك حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله لذلك قال: لو أمرته بتلك لسهل عليه ذلك واستحقر إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به. فهذا قول باطل مخالف لنص السنة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي الذي قال له: واقعت أهلي في رمضان. قال له:"أعتق رقبة، قال: لا أجدها. قال: صم شهرين متتابعين. قال: لا أطيق. قال: أطعم ستين مسكينًا" (1) . وهذه المصالح لا خلاف في عدم اعتبارها.
القسم الثالث: ما لم يشهد له الشرع بالاعتبار ولا بالبطلان. وهذا القسم هو ما أطلق عليه المصالح المرسلة. وهي كما هو واضح: المرسلة من الدليل. فلا دليل من الشرع يدل عليها. وإنما تعتبر المصلحة بناء على نظر العقل بأنها تجلب مصلحة أو نفعًا أو صلاحًا، أو تدفع ضررًا أو تدرأ فسادًا.
(1) هذه القصة نجدها في معظم كتب الأصول التي تتحدث عن المصالح المرسلة.