فهرس الكتاب
... ويذهب بعض المعاصرين ممن يقول بالاستصلاح إلى أن الأئمة الأربعة قد استصلحوا وإن وردت عنهم الأخبار برد الاستصلاح -إلا مالكًا- وكذلك أن الصحابة قد استصلحوا. يقول البوطي (1) :"المصالح المرسلة مقبولة باتفاق الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة". وتتناقض هذه الاستنتاجات والآراء مع المنقول، فأين الصواب؟ بل وتتناقض استنتاجات المعاصرين مع الواضح الصريح من المنقول عن الأئمة، كما نقل عن الإمام أحمد بن حنبل، بل ومع ما قالوه بأنفسهم كالغزالي في المستصفى، فما هو الصواب؟
... الصواب أنه إذا نقل عن أحدهم نقلًا صحيحًا قوله إنه لا يأخذ المصالح المرسلة أن نقرر ما قاله، إلا إذا تبين بوضوح أنه ترك قوله. أما أن نعمد إلى فروعه الفقهية فنبحث عن بعض الأحكام، فإذا وقعنا على بعضها مما لا نعرف دليله فيها، نسرع إلى القول: كان دليله المصلحة المرسلة، فهذا ليس صوابًا ألبتة، بل وليس له من صحة النظر حظ. وقول من يقول:"المصالح المرسلة مقبولة باتفاق الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة"قول فيه جرأة لا مُسَوِّغَ لها سوى الاستهتار بالعلم والمجازفة في الإدلاء بالرأي.
... وبعدًا عن الغموض فسأعرض فيما يلي من حديثي بعضًا مما يوضح آراء العلماء، وسأعرض المواقف التي يُدّعَى أن الصحابة رضوان الله عليهم أخذوا فيها بالمصالح المرسلة.
... أما بالنسبة لمواقف الأئمة والعلماء، فالجمهور على أن المصالح المرسلة ليست دليلًا شرعيًا. فقد رد القول بها الإمام الشافعي رضي الله عنه. نقل ذلك عنه الآمدي. وكذلك نقل ردها عن كثير من علماء الشافعية كالآمدي والغزالي وعز الدين بن عبد السلام. ومما اشتهر عن الشافعي قوله: من استحسن فقد شَرَّع. وهذا الاستحسان المذموم عند الشافعي يتضمن الاستصلاح المقصود بالمصالح المرسلة عند المالكية.
(1) ضوابط المصلحة، ص 407.