الصفحة 55 من 138

... يقول الإمام الشافعي في الرسالة:"وإنما الاستحسان تلذذ"، ثم يقول:"على العالِم أن لا يقول إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر اللازم بالقياس بالدلائل على الصواب، حتى يكون صاحب العلم أبدًا متبعًا خبرًا، وطالب الخبر بالقياس"، ثم قال:"ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم من الذي قال وهو غير عالم..."، وقال:"ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بَعْدُ الكتابُ والسنةُ والإجماعُ والآثارُ وما وصفت من القياس عليها" (1) .

... من هذه الأقوال للإمام الشافعي رضي الله عنه نفهم أنه يشدّد النكير على المصالح المرسلة كما يشدد النكير على الاستحسان، بل إن الأولى داخلة عنده في الثانية، لأنها ليست من خبر لازم ولا من قياس إذ هي مرسلة. ولذلك فإن الغزالي قال نفس ما قاله الشافعي. قال:"بل من استصلح فقد شرَّع كما أن من استحسن فقد شرّع" (2) .

... والمصالح المرسلة غير معتبرة عند الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وليس لها ذكر بين الأصول التي اعتمدها، وقد ردها العلماء ممن هم على مذهبه كابن تيمية وابن قدامة المقدسي. أما ما يدّعيه بعض المعاصرين من القول إنه يلي الإمام مالكًا في الأخذ بها (3) ، فكلام لم ترد له حج. وربما نقله المعاصرون عما ذكره الشوكاني نقلًا عن ابن دقيق العيد (4) :"الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع ويليه أحمد بن حنبل ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره". وقد قال القرافي (5) :"هي عند التحقيق في جميع المذاهب".

(1) الرسالة، ص508، المسائل من 1464 إلى 1468.

(2) المستصفى، ج1، ص 245.

(3) ضوابط المصلحة، ص 368. وحجية المصالح المرسلة لأحمد فراج حسين، ص 65.

(4) إرشاد الفحول، ص242.

(5) شرح تنقيح الفصول، ص 394.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت