فهرس الكتاب
... فمثل هذا الكلام لا يثبت عن الإمام أحمد، لأن أصوله ليس من بينها المصالح المرسلة، ومذهبه في العلة بعيد كل البعد عن المناسب المرسل. أما ما ينقل عن بعض الأئمة أنها موجودة في جميع المذاهب، فسنفصل القول فيه إذ إن الذين يأخذون بها لا يقصدون أنها مرسلة بإطلاق، بل يقصدون أنها مرسلة من الدليل الخاص، وليس من الدليل العام أو الكلي.
... أما ما يذكره الدكتور البوطي في كتاب (ضوابط المصلحة) من أن عدم ذكر المصالح المرسلة بين الأصول التي اعتمدها الإمام أحمد لا يمنع أنها كانت معتبرة عنده، فلا أراه كلامًا يستقيم، وعلى فرض أن ذلك لا يمنع، فما إثبات أنها معتبرة عنده. إن البحث في فقهياته لا يسوغ دعوى أنه يعتبر المصالح المرسلة، إذ وجود مسألة لا نقف على دليله فيها ليس كافيًا لادعاء أنه يستدل بالمصلحة المرسلة عليها.
... وما يحاول البعض قوله: إن القول بالمصلحة يدخل ضمن المعنى الواسع للقياس، فهذا كلام لا فائدة منه، إذ القياس غير الاستصلاح، وإذا كان الاستدلال على الحكم بالمصلحة داخلًا ضمن القياس بطل كل ما قيل في تقسيم المناسب إلى معتبر وملغى ومرسل، وبالتالي بطل الاستصلاح. فهذا كلام غير مبني على فهم للموضوع: فالقياس معتبر لأنه دل عليه الدليل القاطع. والمصالح المرسلة لا تدخل ضمن القياس، وهذا ما قرره الأئمة الذين قالوا بالمصالح المرسلة. ولا حاجة للتطويل في هذا، فمن أراده فليراجع على سبيل المثال قول الشاطبي في الاعتصام، وسنأتي على ذكره عند مناقشة رأي الشاطبي.
... أما الحنفية فالمشهور عنهم أنهم لا يأخذون بالاستصلاح، ولا يعتبرونه. وقد نقل الآمدي ردهم للمصالح المرسلة هم والشافعية (1) .
(1) الإحكام، ج4، ص160.