فهرس الكتاب
... ويقول البغا (1) نقلًا عن الدكتور عبد الوهاب خلاف من كتابه (مصادر التشريع الإسلامي) :"فالمشهور في بعض الكتب أنهم لا يأخذون بالاستصلاح ولا يعتبرونه دليلًا شرعيًا". وهنا أيضًا نقف على محاولة للقول إن الحنفية يقولون بالاستصلاح، فيقول خَلاف (2) :"... فمن البعيد أن يأخذوا بالاستحسان وينكروا الاستصلاح..". وهذه وجهة نظر قوية إذ الاستصلاح والاستحسان متداخلان. وإلى هذا أيضًا يذهب الدكتوران البغا والبوطي، ويذهبان مع خَلاف إلى أن"حظ المصلحة في فقهه (أي أبي حنيفة) يكمن في دليلين من أهم الأدلة... هما الاستحسان والعرف" (3) . والواضح في ما نقل عنه أنه لا يأخذ بالمصلحة، وإن تداخلت مع الاستحسان. فقول الحنفية بالاستحسان إنما هو لأنه قام عندهم الدليل عليه، وردهم للاستصلاح لأنه لا دليل يدل عليه. هذا هو الموضوع، وليس هو قرب أحدهما من الآخر أو بعده عنه. والأمثلة التي يؤتى بها للدلالة على وجود الاستصلاح في فقه الحنفية، دليلها عندهم الاستحسان والله أعلم، وليس الاستصلاح.
... وبالنسبة لما نقل عن الإمام مالك رضي الله عنه، فالأقوال متفقة تقريبًا على اعتباره للمصلحة المرسلة، وقد أنكر ذلك القرطبي كما سنبين. وهناك اختلاف في الحد الذي يذهب إليه في قوله بها. فنقل الشاطبي عنه في الاعتصام أنه استرسل فيه استرسال المدل العريق في فهم المعاني المصلحية، ثم قال:"حتى لقد استشنع العلماء كثيرًا من وجوه استرساله. وقال الشوكاني (4) :"إن المحكيّ عن مالك جواز القول بها مطلقًا". وقال (5) :"قال الجويني في البرهان وأفرط (أي مالك) في القول بها حتى جره إلى استحلال القتل وأخذ المال لمصالح يقتضيها في غالب الظن وإن لم يجد لها مستندًا"."
(1) أثر الأدلة المختلف فيها، ص 45.
(2) المصدر نفسه، نقلًا عن مصادر التشريع الإسلامي.
(3) انظر: ضوابط المصلحة، ص 381.
(4) إرشاد الفحول، ص 242.
(5) المصدر السابق.