4-إن اللغة العربية، أو أية لغة أخرى، ليست أحرفا فقط، بل هي أبنية وصيغ وتراكيب وأساليب وأنماط تعبير تتخللها عبقرية خاصة وتدعمها شخصية متميزة هي الشخصية اللغوية التي أفاض العلماء من نحاة ولغويين وفقهاء وشعراء ومفسرين في تعداد خصائصها والتَّغني بجمالها وروعتها. ولا يكفي أن نقول إن للغتنا ربًّا يحميها ولا أن نقتصر على ترديد تمجيد ماضيها الزاهر وفتوحاتها الباهرة، ولكن يجب أن نتنبه إلى ما يحدق بها من أخطار وما يتربص بها من دوائر. وإن تفكيرنا في صناعة المعجم العربي الحديث يحتم علينا أولا وأخيرًا، الوعي الكامل والعميق بالإشكاليات والرهانات التي يفجرها هذا المشروع الذي إذا أريد له النجاح الكامل فلا بد أن يدرس دراسة علمية متأنية، تفحص أبعاده المختلفة: لغوية وفكرية واستراتيجية، وترسم خطة عملية لإنجازه في إطار شروطه العلمية والحضارية وبرؤية تحرص على التوفيق بين مطلبي الأصالة والتجديد وعلى حماية اللسان العربي: لغة ومصطلحًا وتركيبيًا، من الأخطار التي واجهته في العصور الماضية أيام الأمويين والعباسيين، وفي بداية النهضة العربية الحديثة.
أما وضعية اللغة العربية في مرحلتنا الراهنة فتستوجب من جميع القائمين عليها والمشتغلين بها، حرصا مضاعفا، ووعيًا متواصلًا بالتحديات التي تعترضها وبالغد المشرق الذي ينتظرها إن هم اجتهدوا في خدمتها وأفادوا مما يتيحه العصر من وسائل وأدوات.