الصفحة 10 من 32

فلا مجال عندئذ للعبث بالأحكام بحجة المصلحة من قِبل كل عابث؛ لأن أول الضوابط في شأن المصالح وإعمالها أهلية المتكلّم بها والمقررّ لها، وهذا مايقفل الطريق تمامًا على عامة المنادين اليوم بتشريع المصالح والمنظّرين لها، ممن ليس لهم حظٌ من العلم الشرعي وتأصيله وإقامة قواعده وتشييد أركانه، فضلًا عن الرسوخ فيه وبلوغ الاجتهاد المحاط بإدراك أسرار الشريعة ومقاصدها، إذ عامة أولئك كَتَبةٌ قرأوا شيئًا عن المصالح وموقعها من الشريعة، وربما وقف بعضهم على تقرير الطوفي - كما سبق عرضه -، فطفقوا يملأون الدنيا صراخًا بإعمال المصالح، وضرورة اعتبارها, وإعادة تقرير الأحكام الشرعية المعاصرة وفقها.

"وليس في الأخذ بالمصالح المرسلة فتح طريق يدخل منه العوامّ إلى التصرف في أحكام الشرعية على ما يلائم آراءهم أو ينافرها - كما ظنّه بعض الكتّاب -؛ فإنّ ما ذكرناه في شرط الأخذ بهذه المصالح - من عدم ورود دليل شرعي على رعايتها أو إلغائها - يرفعها أن تكون في متناول آراء العامة وأشباه العامة؛ إذ لا يدري أنّ هذه المصلحة لم يرد في مراعاتها أو إهمالها دليل شرعي إلا من كان أهلًا للاستنباط". ( [40] )

ثانيا: تعظيم النصّ الشرعي وتقديمه:

إنّ عموم قوله تعالى: {يَأيُّها الَّذينَ ءامَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَين يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ} ( [41] ) المتمثّل في حذف المفعول وإضماره يقتضي عدم تقديم شيء على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - مهما بلغ , وفي ذلك غاية التعظيم للنصّ الشرعي وتوقيره.

وعند إعمال المصلحة - بضوابطها إذا تحقّقت - يجب مراعاة هذا الأصل العظيم , وهو استصحاب مجانبة الهوى , وتلمّس موافقة كلّيّات الشرع وقواعده ومقاصده , من خلال وزن المصالح بمعيار الشريعة , لا بمحض أهواء النفوس ورغباتها.

وهذا متحقّق بشيئين: أولهما: تنصيب ميزان الشريعة وقواعدها معيارًا للمصلحة والكشف عنها؛ إذا ليس كل ما هجم على العقول وخطر في القلوب واستهوته النفوس يكون مصلحةً لائقةً للاحتجاج والاستدلال , ما لم تندرج في ثنايا مقاصد الشرع وحِكَمه.

قال الشاطبي:"إنّ المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حقّ معرفتها إلا خالقها وواضعها، وليس للعبد علم بها إلا من بعض الوجوه , والذي يخفى عليه أكثر من الذي يبدو له , فقد يكون ساعيًا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها , أو يوصله عاجلًا لا آجلًا، أو يوصله إليها ناقصةً لا كاملةً , أو يكون فيها مفسدة تربي في الموازنة على المصلحة , فلا يقوم خيرها بشرّها" ( [42] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت