الصفحة 9 من 32

ويقرّ خامس بأن الحفاظ على روح الإسلام تمكّن المجتهدين من القيام بنسخ ما فُقدت مصلحته، والتخلص من سلطة النص الديني، ليسيحوا في كيان التشريع الإسلامي ويغيّروا من معالم خريطته بناءً على مايرونه مصلحة!! ( [37] )

فلا جَرَم - عند القوم - أن يُباح الربا في بعض المستندات والاستثمارات، ويُلغى تفضيل نصيب الذكر على الأنثى في الميراث، ويُنادى بتبنّي النظرية الاشتراكية تحقيقًا للمصلحة العامة، واعتبار حدّ الردّة مسألة سياسية خاضعة للمصلحة، وأمثال ذلك وأضعافه!!!

ومن أجل ذلك اعتنى الأصوليون بضبط المصلحة المنصوبة للاحتجاج؛ حفاظًا على قداسة النص الشرعي ومهابته وتعظيمه، وتحقيقًا لمراميه ومقاصده.

وهذا ما أفردت له الفصل الأول من هذا البحث، والله المستعان.

الفصل الأول: ضوابط إعمال المصلحة

تقّدم في التمهيد أنّ المذاهب الفقهية الأربعة - في الجملة - تحتجّ بالمصلحة المرسلة على تفاوت بينها في التطبيق، وأنّ هذا الاحتجاج مقيّدٌ بضوابط، اعتنى بذكرها الأصوليّون جدًا، منذ بداية الكتابة عن المصالح والاحتجاج بها.

وجمعتُ في هذا الفصل جملة الضوابط المذكورة قديمًا وحديثًا، فرأيت أنها تنقسم ابتداءً إلى قسمين: أحدهما: ضوابط الاحتجاج والإعمال من حيث هو، والآخر: ضوابط للمصلحة ذاتها المحتجّ بها؛ ولذلك جعلتها في مبحثين:

المبحث الأول: ضوابط الاحتجاج

أولًا: أهليّة المحتجّ بالمصلحة والمستدلّ بها:

حيث تقررّ أنّ المصلحة المرسلة التي يُراد الاحتجاج بها هي التي لم يعتبرها الشرع أو يُلغِها، فإن الحكم بكونها"مصلحة"خاضع لاجتهاد الناظر فيها وتنقيح وجه الصلاح فيها وتحقيقه،"ومصلحة هذا وصفها تجلّ عن أن يحوم حولها العلماء الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد، فضلًا عن الدهماء والعامّة". ( [38] )

قال القرافي:"فإن مالكًا يشترط في المصلحة أهلية الاجتهاد؛ ليكون الناظر متكيّفًا بأخلاق الشريعة، فينبو عقله وطبعه عما يخالفها". ( [39] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت