وهذا يبيّن تأخر رتبة المصلحة عن النص في الاحتجاج من جهة أخرى؛ إذ ما كان من الأدلة حجة مطلقًا وأصلًا بنفسه غير مقيّد بقيد - وهو النص الشرعي - كان أعلى درجة وأقوى حجة من غيره.
ومن هنا يظهر ضعف مذهب الطوفي - رحمه الله - الذي اشتُهر عنه من تقديم المصلحة على النصّ عند المعارضة، معللًا ذلك بعلوّ درجة المصلحة في الاحتجاج على الإجماع - بأوجه يراها -، فيلزم من ذلك أن المصلحة أقوى أدلة الشرع؛ لأنّ الأقوى من الأقوى أقوى!! ( [31] )
ولستُ بصدد الاستطراد في عرض مذهب الطوفي ومناقشته، فقد تكفّلت بذلك دراسات معاصرة عدة ( [32] ) ، لكن أشير إلى أنّ مذهب الطوفي في المصلحة كان متكأً استند إليه بعض المعاصرين من أدعياء التنوير والعصرنة والتجديد ... الخ، وهم دعاة التخفّف من تبعية النص وثِقَل قيوده، التي قد تصادم جملة من متغيّرات الحياة المعاصرة - زعموا وبئس الزعم! - ويُنادون بتجديد أصول الفقه وأدلّة الشريعة التي تناسب تغيّر مناحي الحياة اليوم، من خلال عدّة محاور، منها: منهج قراءة النص الشرعي وتفسيره، وحكم الاحتجاج ببعض أنواع الأدلّة كأخبار الآحاد، وتوسعة دائرة الاحتجاج بالأدلة التبعية (المختلف فيها) كالعرف والاستحسان والمصلحة المرسلة، وتفعيل دور المقاصد وإعمالها في الاستدلال، ونحو ذلك.
فحين يظفر هذا التوجّه البائس بتقرير علمي من أحد علماء الأمة - كالطوفي - في مسألة لم يوافقه عليها أحد، يتجلّى بوضوح أن المنطلق لم يكن هو الترجيح العلمي الآخذ بالدليل، بقدر ما هو بحث عن أي مستمسك يؤيّد مسلكًا مرفوضًا في علمٍ ذي أصول متينة وقواعد محكمة كأصول الفقه!
يدلّ على ذلك صريح مقول القوم في كتابات متعدده تقدّس مصالح البشر وتشرّع لها - بل تشرّع بها! -، وتزدري النص الشرعي (وحي ربّ البشر) !! فتكون النتيجة المشؤومة أنه حيثما وجدت المصلحة فثمّ شرع الله، صارفين جميع ما يقف في وجه ذلك من النصوص الشرعية الصريحة والإجماعات المقرّرة بأوهى التأويلات.
يقول أحدهم:"وثنيةٌ هم عَبَدةُ النصوص"!! ( [33] ) ، ويقول آخر:"كما يؤوَّل النقل لصالح العقل في حالة التعارض، كذلك يؤوَّل النقل لصالح المصلحة في حالة التعارض" ( [34] ) .
ويقول ثالث:"والمصلحة لا تتغيّر بتغيّر الأزمان فيما لا نصّ فيه فقط، وإنما قد تتغيّر أيضًا فيما فيه نصّ" ( [35] ) ، ويرى رابعٌ أنّ الفكر الديني يعاني من سيطرة فكرة قداسة النص الديني عليه (!!) وأن الحل هو التخلّص من سلطة النص الديني! ( [36] ) .