الصفحة 7 من 32

مع وجود القول بحجّيتها لدى بعض الشافعية والحنابلة، كما قرّره الرازي وهو ما يُفهم من كلام إمام الحرمين ( [24] ) ، وكما فعل الغزالي حين قرر الاحتجاج بالمصلحة المرسلة بشرط أن تكون ضرورية كلّية قطعية ( [25] ) . وكذا قرّر الطوفي من الحنابلة، كما سيأتي تفصيل موقفه ( [26] ) .

على أن الراجح في هذا الخلاف المشار إليه هو ماذكره القرافي بقوله:"وأما المصلحة المرسلة: فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا تفقّدتَّ المذاهب وجدتَّهم إذا قاسوا وجمعوا وفرّقوا بين المسألتين لايطلبون شاهدًا بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرّقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب". ( [27] )

وكذلك قول الطوفي:"وأما الإجماع فقد أجمع العلماء إلا من لا يعتدّ به من جامدي الظاهرية على تعليل الأحكام بالمصالح ودرء المفاسد، وأشدّهم في ذلك مالك، حيث قال بالمصالح المرسلة، وفي الحقيقة لم يختصّ بها، بل الجميع قائلون بها، غير أنه قال بها أكثر منهم". ( [28] )

وقال ابن دقيق العيد:"الذي لاشك فيه أنّ لمالكٍ ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال على غيرهما". ( [29] )

وهذا الذي استقرّت عليه البحوث المعاصرة في المصلحة المرسلة، من كونها معتبرة في الجملة لدى المذاهب الأربعة عمليًا بأمثله تطبيقية. ( [30] )

لكنّ هذا الاحتجاج مُناطٌ بضوابط يأتي ذكرها في الفصل الأول تفصيلًا؛ إذ ليس المقصود هنا التوسّع في عرض الخلاف الأصولي استدلالًا ومناقشة وترجيحًا.

وملخّص ماتقدّم في أمرين:

أحدهما: أن المصلحة التي يحتجّ بها أهل العلم هي المصلحة المرسلة، التي لم يشهد لها الشرع باعتبار ولا إلغاء، بمعنى أنه متى ورد النص بخلافها أُلغيت ولا عبرة بها، وتسمى بالمصلحة الملغاة.

وهذا يبيّن بوضوح مرتبة المصلحة مع النص، وأنها تتأخر في الدرجة عنه لا محالة.

والآخر: أن محرّري مذهب الإمام مالك - وهو أوسع المذاهب في الاحتجاج بالمصلحة - قيّدوها بضوابط، فهي مقيّدة لدى غيرهم من باب أولى، وسيأتي ذكرها في الفصل الآتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت