الصفحة 3 من 32

مصالح، وتُطلق المصلحة ويُراد بها الصلاح ذاته أي النفع، والصلاح نقيض الفساد ( [1] ) ، وهو دالٌّ على استقامة الشيء وكماله في ذاته، وانتفاء الفساد عنه ( [2] ) .

قال ابن عاشور:"أمّا المصلحة فهي كاسمها، شيء فيه صلاح قوي، ولذلك اشتقّت لها صيغة المفعل، الدالّة على اسم المكان، الذي يكثر فيه ما منه اشتقاقه" ( [3] ) .

وجاء التعريف الاصطلاحي لدى الأصوليّين مبنيًا على المعنى اللغوي المذكور آنفًا، وهو المحافظة على مقصود الشارع من الخلق في دينهم وأنفسهم وعقولهم وأموالهم ونسلهم. ( [4] )

فالمصلحة هي"المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده، من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم طبق ترتيب معين فيما بينهم". ( [5] )

2 -مكانتها في الشريعة:

رعاية المصلحة وتحصيلها والمحافظة عليها مقصد عظيم في الشريعة الإسلامية، وقد استقّر بالتواتر واستقراء كليات الشريعة وجزئياتها هذا الأصل العظيم، الذي تندرج تحته كل أحكام الشريعة وتفصيلاتها، فما من حكم شرعي، أمرٍ أو نهي، عبادة أو معاملة إلا فيه تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل،"والشريعة كلها مصالح: إما تدرأ مفاسد أوتجلب مصالح". ( [6] )

وليس المراد هنا سرد هذا التقرير وأدلّته، فقد اعتنى به أهل العلم قديمًا وحديثًا ( [7] ) ، ولكن المراد بيان موقع (المصلحة) في علميين شرعيين متلازمين متكاملين، هما: مقاصد الشريعة وأصول الفقه، وحظها من التقرير في كلٍ من العلمين، مما أرجو أن يتجلى بها مكانتها في الشريعة.

المصلحة بين التنظيرين المقاصدي والأصولي:

تناول التنظير الشرعي موضوع المصلحة من مسارين اثنين، أحدهما: مقاصدي، والآخر: أصولي، وكان لكل مسار حدوده ونتائجه المستقلة عن الآخر، ومجموعهما يؤدي إلى التقرير الشرعي تجاه المصلحة، والمقصود ههنا بيان الحد الفاصل الذي يميز كلًا من المسارين عن الآخر، لئلا تتداخل المسائل من جهة، ولمعرفة حظٍ كل مسألة من النظر المعتبر داخل مسارها المحدّد لها.

وبما أن مقاصد الشريعة هي حكمها وغاياتها وأسرارها ( [8] ) ، فإن موضوعها يتناول الغايات الجليلة والمعاني السامية التي تحيط بأحكام الشرع المُحكمة، ولذلك يأتي التنصيص في مقاصد الشريعة على قصد الشريعة تعبيدَ العباد لربهم، وتيسيرَ التكليف عليهم، ورفعَ الحرج والمشقة عنهم، وما إلى ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت