الصفحة 4 من 32

وهنا يقع الحديث عن المصالح في التنظير المقاصدي، باعتبارها أحد مقاصد الشريعة العظام؛ إذ تقرّر أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد وتكثيرها، ودرء المفاسد عنهم وتقليلها، في العاجل والآجل معًا. ( [9] )

ويستطرد هذا التنظير في (مساره المقاصدي) في الاستدلال لهذا الأصل، وبيان أوجهه، وتقسيم المصالح، وذكر مراتبها بعدة اعتبارات، وتفريع مايترتب على ذلك، مع قانون التعارض بين المصالح، أو بين المفاسد، أو بينهما معًا. ( [10] )

وعندئذ فليس من المطلوب تقريره في التنظير المقاصدي الاستدلال بالمصلحة صلاحيةً أو عدمًا، وهذا يبيّن خطأً منهجيًا يرتكبه المستدلّون بالمقاصد الشرعية، حين يوظّفونها في مكان الدليل الشرعي، بأن يدّعي أحدهم حكمًا شرعيًا ثم يستدل له بالتيسير مثلًا؛ لأن التيسير مقصد شرعي وليس دليلًا شرعيًا يحتجّ به، وفرقٌ بين المقامين!

وأمّا أصول الفقه فهي أدلّته الإجمالية وكيفية الاستدلال بها ( [11] ) ، وموضوعها يتناول محورين اثنين: الأدلّة والدلالات، ومحور الأدلّة يبحث ما يصلح وما لا يصلح، والأدلة المتفق عليها والأدلة المختلف فيها.

وههنا يقع الحديث عن المصالح في التنظير الأصولي، ضمن الأدلة المختلف فيها، والخلاف هو في صلاحية المصلحة المرسلة للاستدلال (مطلقة أو مشروطة) أو عدمها، وهذا بعد تحرير المراد بالمصالح المرسلة وتمييزها عن غيرها.

وهذا المسار الأصولي هو الآخذ بصلب بحث الاحتجاج بالمصلحة، حيث تُساق الأقوال مصحوبة بحججها والإيرادات وأجوبتها، مع الانتهاء إلى أحدهما بالترجيح.

وعندئذ فلا تعارض بين الإجماع المنعقد على المصلحة في التنظير المقاصدي، والخلاف القائم حولها في التنظير الأصولي؛ إذ تبيّنت وجهة كلٍ من المسارين.

وليس من المشكل إذن أن يرفض مذهبٌ الاحتجاج بالمصلحة، مع موافقته على كونها مقصدًا شرعيًا معتبرًا؛ نظرًا لاختلاف الموضوعين.

و (المصالح) من المسائل التي يأخذ فيها كلٌ من علم المقاصد وعلم أصول الفقه بطرف، ولها في كلٍ منهما مباحث مستقلة ومسارٌ مختلف عن الموجود منها في الآخر، يحسن بالباحث والناظر فيها تمييزها؛ تحريرًا للإشكال، ودفعًا لإيهام الاضطراب.

3 -أنواع المصلحة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت