تنقسم المصلحة إلى أقسام متعدّدة باعتبارات مختلفة، وأبرزها ما يلي:
أ - باعتبار الشارع لها أو عدمه:
وتنقسم المصلحة حينئذ إلى أقسام ثلاثة: مصلحة معتبرة، مصلحة ملغاة، مصلحة مرسلة ( [12] ) ، وهذا التقسيم هو المعتبر في التنظير الأصولي.
فالأولى ما شهد الشارع باعتبارها، كمصلحة حفظ النفس من التلف وطلب العلم، والثانية ما شهد الشارع بإلغائها، كمصلحة زيادة المال بالربا والاستمتاع بالشهوات المحرّمة، والثالثة ما لم يشهد الشارع لها باعتبار ولا إلغاء.
والأخيرة (المرسلة) هي التي يهتمّ بها الأصوليين، وهي محلّ الحديث عن الاحتجاج بالمصلحة؛ إذ المعتبرة والملغاة قد تبيّن حكم الشارع فيها اعتبارًا وإلغاءً، فبقي الخلاف في المسكوت عنها (المرسلة) ، وهي التي لم يكن لها وجود في عصر التنزيل ثم حدثت في الأمة بعد، فلم يتناولها النص الشرعي بإقرار ولا إلغاء، وسيأتي إيجاز الخلاف الأصولي فيها؛ لأن الحديث عن ضوابط العمل بالمصلحة وتطبيقاتها فرع عن القول بجواز الاحتجاج بها.
ب - باعتبار درجة نفعها ومرتبة أثرها:
وتنقسم المصلحة بهذا الاعتبار إلى ثلاث مراتب: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات ( [13] ) ، وهذا التقسيم هو المعتبر في التنظير المقاصدي.
فالمصلحة الضرورية: هي"ما لا بدّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقدت لم تجرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارُجٍ وفَوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين". ( [14] )
وقد تقرّر أن هذا النوع من المصالح هو الذي يتضمن حفظ المقاصد الخمسة الكلية، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسب. ( [15] )
والمصلحة الحاجية:"هي ما كان مفتَقرًا إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفَوْت المطلوب، فإذا لم تُراعَ دخل على المكلَّفين - على الجملة - الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامّة" ( [16] ) ، ومثالها: الرُّخص الشرعية، والمعاملات المشروعة على وجه التوسعة ورفع الضيق، كالإجارة والسَّلم. ( [17] )