ومعلوم أن هذه المصنفات وغيرها (ككشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، وكتاب التعريفات للجرجاني) نهلت من ذخائر العلوم الأصيلة (من نحو وبلاغة وفقه وتفسير وحديث) كما استقت مادتها من العلوم الدخيلة، كالرياضيات والمنطق والفلسفة . وكان طبيعيا أن يواجه أصحابها، مثلما واجه المفكرون والعلماء، مصطلحات ومفاهيم جديدة، مفاهيم اقتحمت المجال الذهني العربي الإسلامي، فلم يكن هناك بد من أن يتصدّوا لها بالتمحيص والتعريف والترجمة، وهو ما اضطلعوا به دونما مرجع معتمدين في النقل وسائل التوليد المعروفة في لغة الضاد. ويمكن القول أن نصيب هذه الوسائل من الإعمال والتوظيف كان حسب الترتيب التالي: الاشتقاق فالمجاز فالتعريب ثم النحت.
وغني عن البيان أن نقل المصطلح العلمي الأجنبي بالذات وتوحيده على الصعيد العربي (وذلكم موضوع هذه الندوة وهاجسنا المشترك) هما مهتمان تقتضيان تضافر جهود اللغوي والمتخصص في عروة وثقى لا انفصام لها، وذلك من جهة أهمية ضبط المفهوم وتحديد خصائصه وموقعه من المنظومة المفهومية التي ينتمي إليها وعالم الأشياء الذي يحيل إليه، ومن جهة ضرورة تأصيل البحث في معجم اللغة بشتى مقوماته ومكوناته لإيجاد أنسب التسميات وأوفاها بالمقصود. فلا انفصام بين المعجم والمصطلح. ونحن إذ ننوّه بأهمية الرصيد المعجمي فإنما ننطلق بداهة- وليس في الأمر جدّة تذكر- من كونه الفضاء العام الذي ينمو ويتحرك ضمنه الرصيد المصطلحي، والنموذج المرجعي المعياري الذي تتحقق سلامة الوحدة المصطلحية وفق ضوابطه وأصوله. ومن ثم فإن العلاقات التي تنتظم الرصيدين هي علاقات قوامُها الاحتضان والامتداد والتكامل والائتلاف بيد أنها لا تخلو من بعض التوتر والاضطراب والاختلاف.