كان الواجب عليكم أيها البصريون أن تصححوا قاعدتكم لتمضى مع هذا القرآن المتواتر ، وأن تمضوا مع الكوفيين في هذا الشأن الذين مضوا مع ما قعده القرآن ولم يخالفوه ولم يجترؤا على ما اجترأتم عليه ، وقالوا: إذا وجد بعد الفعل الذى لم يسم فاعله مفعول وغيره جاز أن يقوم مقام الفاعل غير المفعول من مصدر أو غيره ، واستدلوا بهذه القراءة (ليجزى قوما) .
وجاء في الشعر العربى ما يؤيد ذلك كقول القائل:
لم يُعن بالعلياء إلا سيدًا ... ولا شفى ذا الغى إلا ذو هدى
حيث ناب الجار والمجرور ، وهو قوله بالعلياء عن الفاعل مع وجود المفعول وهو: سيدًا.
ومثله قول القائل:
وإنما يرضى المنيب ربه ... ما دام معنيًا بذكر قَلْبَه
والشاهد: معنيًا بذكر قَلْبَه ، حيث ناب الجار والمجرور ، وهو بذكر عن الفاعل ، مع وجود المفعول به في الكلام وهو: قلبه ، بدليل أنه أتى به منصوبًا [1]
وبناءً على ما نقلناه من حاشية زاده قريبًا ، تكون إقامة المصدر إقامة نائب الفاعل - في القراءتين - ليس لاعتبار كونه مصدرًا وإنما لكونه مفعولًا ثانيًا ، ويكون قد تحقق ما عارض البصريون القراءتين لأجله ، يبين بذلك القصور الشديد الذى استحوذ على البصريين في معارضة قراءتين متواترتين.
القاعدة الحاسمة للخلاف في ذلك
نص القاعدة:
"القرآن الكريم هو الأصل الذى ينبغى أن تقعّد عليه اللغة ، وبه تضبط قواعد النحو ، فإذا ثبتت القراءة القرآنية لزم قبولها والمصير إليها ، ولا ترد بقياس عربية ولا فشو لغة" [2]
توضيح القاعدة:
(1) أنظر: شرح ابن عقيل بتحقيق محمد محيى الدين عبدالحميد - 2/121 وما بعدها.
(2) راجع في استخلاص هذه القاعدة النشر - 1/10 ، الإتقان - 1/77 ، قواعد التفسير - 1/94.