هذا ما يستحيل عقلًا وشرعًا وعادةً.
ثم علق - أى السيوطى - على الرواية المنقولة عن عثمان -رضى الله عنه - بقوله: إن ذلك لا يصح عن عثمان ، فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع ، ولأن عثمان جعل - المصحف الذى جمعه - إمامًا للناس يقتدون به ، فكيف يرى فيه لحنًا ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها؟
فإذا كان الذين تولوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك وهم الخيار فكيف يقيمه غيرهم؟ ثم إن عثمان لم يكتب مصحفًا واحدًا ، ولكن كتب عدة مصاحف ، فإن قيل: إن اللحن وقع فيها جميعًا فبعيد اتفاقها على ذلك ، أو في بعضها ، فهو اعتراف بصحة البعض. ولم يذكر أحد من الناس أن اللحن كان في مصحف دون مصحف ، ولم تأت المصاحف مختلفة قط إلا فيما هو من وجوه القراءة وليس ذلك بلحن. [1]
ج- هذه الروايات تخالف المتواتر عن عثمان -رضى الله عنه - في نسخ المصاحف ، وجمع القرآن من الدقة والتحرى ونهاية التثبت ، بل يردها ما أخرجه أبو عبيد نفسه عن عبدالله بن هانئ البربرى مولى عثمان قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف ، فأرسلنى بكتف شاه إلى أبى بن كعب فيها (لم يتسن) وفيها (لا تبديل للخلق) وفيها (فأمهل الكافرين) قال: فدعا بالدواء فمحى أحد اللامين فكتب (لخلق الله) [2] ومحا فأمهل وكتب (فمهّل) [3] وكتب (لم يتسنه) [4] ألحق فيها الهاء. [5]
كيف يتفق ما جاء في الرواية التى نقدناها ، مع هذه الرواية الثانية التى تصف عثمان - رضى الله عنه - بالدقة في مراجعة ما كان يكتبه النساخ وتصحيح ما كانوا يخطئون فيه وأنه لم يترك هذه الأخطاء لتقيمها العرب كما تقول الرواية الواهية.
(1) الإتقان - 1/184 نقلًا عن أبى عبيد.
(2) سورة الروم: 30
(3) سورة الطارق: 17
(4) سورة البقرة: 259
(5) الإتقان -1/184