أخرج أحمد بسند جيد عن ابن عباس قال: أقرأني رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - سورة من آل حم وهي الأحقاف وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت ثلاثين ،
وروي أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قرأها على وجهين.
أخرج ابن الضريس والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: أقرأني رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - سورة الأحقاف فسمعت رجلا يقرؤها خلاف ذلك فقلت: من أقرأكها؟ قال: رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقلت: واللّه لقد أقرأني رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - غير ذا فأتينا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول اللّه ألم تقرئني كذا وكذا؟ قال: بلى فقال الآخر: ألم تقرئني كذا وكذا؟ قال: بلى فتمعّر وجه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ليقرأ كل واحد منكما ما سمع فإنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف» .
وأنت تعلم أن ما تواتر هو القرآن. ووجه اتصالها أنه تعالى لما ختم السورة التي قبلها بذكر التوحيد وذم أهل روح المعانى ـ نسخة محققة - (13 / 161)
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة فأطلق غير واحد القول بمكيتها من غير استثناء ، واستثنى بعضهم قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [الأحقاف: 10] الآية ، فقد أخرج الطبراني بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي أنها نزلت بالمدينة في قصة إسلام عبد اللّه بن سلام ، وروي ذلك عن محمد بن سيرين.
وفي الدر المنثور أخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: ما سمعت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد اللّه بن سلام وفيه نزلت وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ [الأحقاف: 10] وفي نزولها فيه رضي اللّه تعالى عنه أخبار كثيرة ، وظاهر ذلك أنها مدنية لأن إسلامه فيها بل في الأخبار ما يدل على مدنيتها من وجه آخر ، وعكرمة ينكر نزولها فيه ويقول: هي مكية كما أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه وكذا مسروق ، فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أنه قال في الآية: واللّه ما نزلت في عبد اللّه بن سلام ما نزلت إلا بمكة وإنما كان إسلام ابن سلام بالمدينة وإنما كانت خصومة خاصم بها محمد - صلى الله عليه وسلم - ، واستثنى بعضهم وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ [الأحقاف: 17] الآيتين ، وزعم مروان من لعن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أباه وهو في صلبه أنهما نزلتا في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما فكذبته عائشة وقالت: كذب مروان مرتين واللّه ما هو به ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته ولكن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان فضض أي قطعة من لعنة اللّه تعالى ، وفي رواية أنها قالت: إنما نزلت في فلان بن فلان وسمت رجلا آخر ، واستثنى آخر وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ [الأحقاف: 15] الآيات الأربع كما حكاه في جمال القراء ، وحكى أيضا استثناء فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ [الأحقاف: 35] الآية ونقله في البحر