-فتذكر طرفا من قصة الجن مع هذا القرآن كذكرها لموقف بعض بني إسرائيل منه. وتقيم من الفطرة الصادقة شاهدا كما تقيم من بعض بني إسرائيل شاهدا. سواء بسواء.
ثم هي تطوف بتلك القلوب في آفاق السماوات والأرض ، وفي مشاهد القيامة في الآخرة. كما تطوف بهم في مصرع قوم هود وفي مصارع القرى حول مكة. وتجعل من السماوات والأرض كتابا ينطق بالحق كما ينطق هذا القرآن بالحق على السواء.
ويمضي سياق السورة في أربعة أشواط مترابطة ، كأنها شوط واحد ذو أربعة مقاطع.
يبدأ الشوط الأول وتبدأ السورة معه بالحرفين: حا. ميم. كما بدأت السور الست قلبها. تليهما الإشارة إلى كتاب القرآن والوحي به من عند اللّه: «تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» .. وعقبها مباشرة الإشارة إلى كتاب الكون ، وقيامه على الحق ، وعلى التقدير والتدبير: «ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى» .. فيتوافى كتاب القرآن المتلو وكتاب الكون المنظور على الحق والتقدير: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ» .
وبعد هذا الافتتاح القوي الجامع يأخذ في عرض قضية العقيدة مبتدئا بإنكار ما كان عليه القوم من الشرك الذي لا يقوم على أساس من واقع الكون ، ولا يستند إلى حق من القول ، ولا مأثور من العلم: «قُلْ: أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ؟ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ؟ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .. ويندد بضلال من يدعو من دون اللّه من لا يسمع لعابده ولا يستجيب.
ثم هو يخاصمه يوم القيامة ويبرأ من عبادته في اليوم العصيب!
ويعرض بعد هذا سوء استقبالهم للحق الذي جاءهم به محمد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وقولهم له: «هذا سِحْرٌ مُبِينٌ» .. وترقيهم في الادعاء حتى ليزعمون أنه افتراه. ويلقن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يزد عليهم الرد اللائق بالنبوة ، النابع من مخافة اللّه وتقواه ، وتفويض الأمر كله إليه في الدنيا والآخرة:
«قُلْ: إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ. كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قُلْ: ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ، وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ ، وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ» .. ويحاججهم بموقف بعض من اهتدى للحق من بني إسرائيل حينما رأى في القرآن مصداق ما يعرف من كتاب موسى - عليه السلام -: «فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ» .. ويندد بظلمهم بالإصرار على التكذيب بعد شهادة أهل الكتاب العارفين: «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ»