ويتناول الشوط الرابع قصة نفر من الجن مع هذا القرآن ، حين صرفهم اللّه لاستماعه ، فلم يملكوا أنفسهم من التأثر والاستجابة ، والشهادة له بأنه الحق: «مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ» ..وعادوا ينذرون قومهم ويحذرونهم ويدعونهم إلى الإيمان: «يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ، وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ..وتتضمن مقالة النفر من الجن الإشارة إلى كتاب الكون المفتوح الناطق بقدرة اللّه على البدء والإعادة: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ؟ بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..
وهنا يلمس قلوبهم بمشهد الذين كفروا يوم يعرضون على النار ، فيقرون بما كانوا ينكرون ، ولكن حيث لا مجال لإقرار أو يقين!
وتختم السورة بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الصبر وعدم الاستعجال لهم بالعذاب ، فإنما هو أجل قصير يمهلونه ، ثم يأتيهم العذاب والهلاك: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ. بَلاغٌ. فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ؟» .. [1]
خلاصة ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة
(1) إقامة الأدلة على التوحيد والرد على عبدة الأصنام والأوثان.
(2) المعارضات التي ابتدعها المشركون للنبوة والإجابة عنها وبيان فسادها.
(3) ذكر حال أهل الاستقامة الذين وحدوا اللّه وصدقوا أنبياءه ، وبيان أن جزاءهم الجنة.
(4) ذكر وصايا للمؤمنين من إكرام الوالدين وعمل ما يرضى اللّه.
(5) بيان حال من انهمكوا في الدنيا ولذاتها.
(6) قصص عاد ، وفيه بيان أن صرف النعم في غير وجهها يورث الهلاك.
(7) استماع الجن للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتبليغهم قومهم ما سمعوه.
(8) عظة للنبى - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين من أمته.
(9) بيان أن القرآن فيه البلاغ والكفاية في الإنذار.
(10) من عدل اللّه ورحمته ألا يعذب إلا من خرج من طاعته ولم يعمل بأمره ونهيه. [2]
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3252)
(2) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (26 / 45)