2 -وهي من السور المدنية الخالصة. ومن قال بأن فيها آيات مكية ، لم يأت بدليل يعتمد عليه في ذلك.
قال القرطبي: « هذه السورة مدنية في قول الجميع ، إلا رواية عن عطاء: أن العشر الأول منها مدني ، وباقيها مكي. وقال الكلبي: نزل جميعها بالمدينة. غير قوله - تعالى -: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ نزلت بمكة » .
3 -وقد افتتحت سورة « المجادلة » بالحديث عن المرأة التي جادلت النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن زوجها ، وقد أصدر - سبحانه - حكمه العادل في مسألتها ، مبينا حكم الظهار فقال - تعالى -: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ، ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ، وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ.
4 -ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن الذين يحادون اللّه ورسوله فبينت سوء عاقبتهم ، لأن اللّه - تعالى - لا يخفى عليه شيء من أحوالهم ، فهو - سبحانه - ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ، وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ، وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
5 -ثم وجه - سبحانه - ثلاثة نداءات إلى المؤمنين ، أمرهم في أول نداء بأن يتناجوا بالبر والتقوى .. وأمرهم في النداء الثاني أن يفسح بعضهم لبعض في المجالس .. وأمرهم في النداء الثالث إذا ما ناجوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقدموا بين يدي نجواهم صدقة.
قال - تعالى -: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ ، فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ، ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
6 -وبعد أن عجبت السورة الكريمة من أحوال المنافقين ، وبينت سوء عاقبتهم ، وكيف أن الشيطان قد استحوذ عليهم ، فأنساهم ذكر اللّه.
بعد كل ذلك ختمت السورة الكريمة ببيان حسن عاقبة المؤمنين الصادقين وببيان صفاتهم الكريمة ، فقال - عز وجل - لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ، أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ ، وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ، وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ، أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
7 -هذا ، والمتأمل في سورة المجادلة ، يراها قد بينت حكم الظهار ، وأبطلت ما كان شائعا من أن الرجل إذا ظاهر من زوجته لا تحل له .. وساقت جانبا من فضل اللّه - تعالى - على عباده ، حيث