القلم وما يسطر به الكاتبون ، إلفاتا عامّا إلى شأن الكتابة والكاتبين ، الذين هم أهل العلم والمعرفة ، وأن هؤلاء المشركين امّيون لم ينالوا حظّا من العلم عن طريق الكتابة والكتاب ، وها هم أولاء وقد جاءهم رسول كريم ، كان مفتتح دعوته دعوة آمرة بالقراءة ، ثم تلاها بعد ذلك هذا القسم بحروف الكتابة ، وأدواتها ـ وذلك ليخرجوا من ظلام هذا الجهل الذي غطّى على أعينهم ، وحال بينهم وبين أن يهتدوا إلى هذا النور الذي يدعوهم الرسول الكريم إليه .. فالجهل هو الآفة التي أفسدت على هؤلاء المشركين رأيهم في دعوة السماء لهم إلى الإيمان ، ولو أنهم أخذوا حظّا من العلم ، لاستقام طريقهم على الحق ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » (2: الجمعة) .
وثانيا: جاء في ختام سورة « الملك » قوله تعالى: « قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا » ـ وفى هذا ما يشير إلى نظرة الكراهية والاستثقال التي ينظر بها المشركون إلى النبي ، وإلى مقامه فيهم ، حتى إنهم ليتمنون زواله من بينهم .. وجاء في مفتتح سورة « القلم » ما يضفى على النبىّ الكريم حلل التكريم والتمجيد التي خلعها عليه ربّه ، فوصفه سبحانه بهذا الوصف الربّانىّ ، الذي لو قسّم في الخلق جميعا لأرضاهم ، وأغناهم ، وأسعدهم ، فيقول اللّه سبحانه « وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » .. وفى هذا ما يكبت المشركين ، ويملأ قلوبهم حسرة وكمدا. [1]
مقدمة وتمهيد
1 -سورة « ن » أو « القلم » تعتبر من أوائل السور القرآنية ، التي نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد ذكر السيوطي في كتابه « الإتقان » أنها السورة الثانية في النزول ، بعد سورة « العلق » .
ويرى بعض العلماء أنها السورة الرابعة في النزول ، فقد سبقتها سور: العلق ، والمدثر ، والمزمل ، وعدد آياتها اثنتان وخمسون آية.
2 -والمحققون على أنها من السور المكية الخالصة ، فقد ذكر الزمخشري وابن كثير .. أنها مكية ، دون أن يذكرا في ذلك خلافا.
وقال الآلوسى: هي من أوائل ما نزل من القرآن بمكة ، فقد نزلت - على ما روى عن ابن عباس - اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ... ثم هذه ، ثم المزمل ، ثم المدثر ، وفي البحر أنها مكية بلا خلاف فيها ، بين أهل التأويل.وفي الإتقان: استثنى منها: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا ... إلى قوله - تعالى -: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ .
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1074)