وختمت السورة بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على أذى المشركين ، وحذرته من التبرم والتضجر في تبليغ دعوته ، حتى لا يكون مثل يونس عليه السلام:
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ، وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ .. وأعلنت حمايته من أذاهم ، ودحضت افتراءهم بأنه مجنون ، وردت عليهم بأن القرآن عظة وعبرة للعالمين ، فكيف يكون المنزل عليه مجنونا: وَإِنْ يَكادُ .. إلى آخر السورة. [1]
وتسمى سورة القلم ، وهي مكية على الصحيح ، وعدد آياتها اثنتان وخمسون آية وتشمل بيان بعض صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - وإرشاده إلى مخالفة المكذبين ثم ذكر قصة أصحاب البستان تهديدا للكفار ، ثم مناقشتهم وإبطال حججهم ، وبعد ذلك أمر النبي بالصبر على أذاهم ، مع بيان شدة بغضهم للنبي والقرآن. [2]
هي من أوائل ما نزل من القرآن بمكة فقد نزلت على ما روي عن ابن عباس اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: 1] ثم هذه ثم المزمل ثم المدثر. وفي البحر أنها مكية بلا خلاف فيها بين أهل التأويل وفي الإتقان استثني منها إِنَّا بَلَوْناهُمْ - إلى - يَعْلَمُونَ [القلم: 17 - 33] ومن فَاصْبِرْ - إلى - الصَّالِحِينَ [القلم: 48 - 50] فإنه مدني حكاه السخاوي وفي جمال القراء وآيها ثنتان وخمسون آية بالإجماع ومناسبتها لسورة الملك على ما قيل من جهة ختم تلك بالوعيد وافتتاح هذه به. وقال الجلال السيوطي في ذلك: إنه تعالى لما ذكر في آخر الملك التهديد بتغوير الماء استظهر عليه في هذه بإذهاب ثمر أصحاب البستان في ليلة بطائف طاف عليهم وهم نائمون فأصبحوا ولم يجدوا له أثرا حتى ظنوا أنهم ضلوا الطريق ، وإذا كان هذا في الثمار وهي أجرام كثيفة فالماء الذي هو لطيف أقرب إلى الإذهاب ولهذا قال سبحانه هنا وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [القلم: 19 ، 20] وقال جل وعلا هنا إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا [الملك: 30] إشارة إلى أنه يسرى عليه في ليلة كما أسرى على الثمر في ليلة انتهى ، ولا يخلو عن حسن. وقال أبو حيان فيه: إنه ذكر فيما قبل أشياء من أحوال السعداء والأشقياء وذكر قدرته الباهرة وعلمه تعالى الواسع ، وأنه عز وجل لو شاء لخسف بهم الأرض أو لأرسل عليهم حاصبا وكان ما أخبر به سبحانه هو ما أوحى به إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - فتلاه عليه الصلاة والسلام وكان الكفار ينسبونه في ذلك مرة إلى الشعر ومرة إلى السحر ومرة إلى الجنون فبدأ جل شأنه هذه السورة الكريمة ببراءته - صلى الله عليه وسلم - مما كانوا ينسبونه إليه من الجنون وتعظيم أجره على صبره على أذاهم ، وبالثناء على خلقه [3]
(1) - التفسير المنير ـ موافقا للمطبوع - (29 / 41) و تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (29 / 26)
(2) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (3 / 720)
(3) - روح المعانى ـ نسخة محققة - (15 / 26)