مقصودها إظهار ما استتر ، وبيان ما أبهم في آية ) فستعلمون من هو في ضلال مبين ( بتعيين النهتدي الذي برهن على هدايته حيازته العلم الذي هو النور الأعظم الذي لا يضل بمصاحبته بتقبل القرآن والتخلق بالفرقان الذي هو صفة الرحمن بقدر الإمكان الذي تصل إليه قوة الإنسان ، وأدل ما فيها على هذا الغرض"ن"وكذا"القم"فلذا سميت بكل منهما ، وبالكلام على كل منهما يعرف ذلك ، وحاصله أن النون مبين محيط يفيبيانه كما يحيط ضوء الشمس بما يظهره وكما تحيط الدواة بمدادها بآية ما دل عليه بمخرجه وصفاته ، واستقر الكلام الواقع فيها وفي المعهاني التي اشتركت في لفظه ، وأمات القلم فإبانته للمعارف أمر لا ينكر [1]
لا يمكن تحديد التاريخ الذي نزلت فيه هذه السورة سواء مطلعها أو جملتها. كما أنه لا يمكن الجزم بأن مطلعها قد نزل أولا ، وأن سائرها نزل أخيرا - ولا حتى ترجيح هذا الاحتمال. لأن مطلع السورة وختامها يتحدثان عن أمر واحد ، وهو تطاول الذين كفروا على شخص رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وقولهم:
إنه مجنون! والروايات التي تقول: إن هذه السورة هي الثانية في النزول بعد سورة العلق كثيرة ، ومن المتفق عليه في ترتيب المصاحف المختلفة أنها هي السورة الثانية ولكن سياق السورة وموضوعها وأسلوبها يجعلنا نرجح غير هذا. حتى ليكاد يتعين أنها نزلت بعد فترة من الدعوة العامة ، التي جاءت بعد نحو ثلاث سنوات من الدعوة الفردية ، في الوقت الذي أخذت فيه قريش تدفع هذه الدعوة وتحاربها ، فتقول عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - تلك القولة الفاجرة وأخذ القرآن يردها وينفيها ، ويهدد المناهضين للدعوة ، ذلك التهديد الوارد في السورة.
واحتمال أن مطلع السورة نزل مبكرا وحده بعد مطلع سورة العلق. وأن الجنون المنفي فيه: «ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ» .. جاء بمناسبة ما كان يتخوفه النبي - صلى الله عليه وسلم - على نفسه في أول الوحي ، من أن يكون ذلك جنونا أصابه .. هذا الاحتمال ضعيف. لأن هذا التخوف ذاته على هذا النحو ليست فيه رواية محققة ، ولأن سياق السورة المتماسك يدل على أن هذا النفي ينصب على ما جاء في آخرها من قوله تعالى: «وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ» .. فهذا هو الأمر الذي افتتح السورة بنفيه ، كما يتبادر إلى الذهن عند قراءة السورة المتماسكة الحلقات.
كذلك ذكرت بعض الروايات أن في السورة آيات مدنية من الآية السابعة عشرة إلى نهاية الآية الثالثة والثلاثين. وهي الآيات التي ذكرت قصة أصحاب الجنة وابتلاءهم ، والآيات من الثانية والأربعين إلى نهاية الخمسين وهي التي تشير إلى قصة صاحب الحوت .. ونحن نستبعد هذا كذلك. ونعتقد أن السورة كلها
(1) - نظم الدرر ـ موافق للمطبوع - (8 / 89)