وإنذار للناس بوجوب تقديم العمل الصالح من قبل أن يأتى يوم القيامة ، الذي لا ينفع فيه الندم على ما فات ..
4 -ويبلغ عدد سور هذا الجزء الأخير من القرآن الكريم سبعا وثلاثين سورة ، كلها مكية ، سوى سورتي « البينة والنصر » وكلها تمتاز بقصرها ، على تفاوت في هذا القصر ، ومعظمها مشتمل على إقامة الأدلة على وحدانية اللّه - تعالى - ، وعلى أن هذا القرآن من عند اللّه. وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه ، وعلى المقارنة بين حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار ، وعلى التذكير المتكرر بأهوال يوم القيامة ، وبأنه آت لا ريب فيه ، وعلى التحذير من الغفلة عن الاستعداد له ، وعلى الإفاضة في بيان نعم اللّه - تعالى - على الناس ، وعلى بيان ما حل بالمكذبين السابقين من دمار ..
كل ذلك بأسلوب بديع معجز ، تخشع له القلوب ، وتتأثر به النفوس ، وتقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم .. [1]
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها وهي المرسلات من وجوه ثلاثة:
1-تشابه السورتين في الكلام عن البعث وإثباته بالدليل ، وبيان قدرة اللّه عليه ، وتوبيخ الكفار المكذبين به ، ففي المرسلات: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ، أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ، أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا، وفي هذه قال: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا .. الآيات [6- 16] .
2-اشتراك السورتين في وصف الجنة والنار ، ونعيم المتقين وعذاب الكافرين ، ووصف يوم القيامة وأهواله.
3-فصّلت هذه السورة ما أجمل في السورة المتقدمة ، فقال تعالى في المرسلات: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ، لِيَوْمِ الْفَصْلِ ، وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ [12- 14] وقال سبحانه في هذه السورة: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا [17] إلى آخر السورة.
وقال الخطيب:"مناسبتها لما قبلها كانت سورة « المرسلات » قبل هذه السورة ـ حديثا متصلا عن المشركين ، وكانت نهاية هذا الحديث معهم أن القى بهم في جهنم ، وأخذ كل منهم مكانه فيها .. ثم أعيدوا إلى مكانهم من هذه الحياة الدنيا ، حيث يأكلون ويتمتعون ، كما تأكل الأنعام ، دون أن يكون لهم من تلك الرحلة المشئومة بهم إلى جهنم ، وما رأوا من أهوالها ـ ما يغير شيئا مما في أنفسهم من ضلال وعناد ، فما زالوا على موقفهم من آيات اللّه التي تتلى عليهم ، وما زالوا في تكذيب لرسول اللّه ،"
(1) - التفسير الوسيط للقرآن الكريم- موافق للمطبوع - (15 / 245)