الْكَعْبَةِ ، وَقَامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، يَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَسْتَنْصِرُونَهُ عَلَى أَبْرَهَةَ وَجُنْدِهِ ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ آخِذٌ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ:
يَا رَبِّ إِنَّ الْمَرْءَ يَمْنَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حَلَالَكْ
لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ وَمِحَالُهُمْ عَدْوًا مِحَالَكْ
إِنْ كُنْتَ تَارِكَهُمْ وَقِبْلَتَنَا فَأْمُرْ مَا بَدَا لَكْ
وَلَئِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ يُتِمُّ بِهِ فِعَالَكْ
ثُمَّ أَرْسَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَلْقَةَ بَابِ الْكَعْبَةِ ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى شَعَفِ الْجِبَالِ ، فَتَحَرَّزُوا فِيهَا يَنْتَظِرُونَ مَا أَبْرَهَةُ فَاعِلٌ بِمَكَّةَ إِذَا دَخَلَهَا . وَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَيْضًا:
قُلْتُ وَالْأَشْرَمُ تَرْدِي خَيْلُهُ إِنَّ ذَا الْأَشْرَمَ غَرَّ بِالْحَرَمْ
كَادَهُ تُبَّعُ فِيمَا جَنَّدَتْ حِمْيَرٌ وَالْحَيُّ مِنْ آلِ قِدَمْ
فَانْثَنَى خَارِجًا آهٍ ِوَفِي أَوْدَاجِهِ حَاجِرٌ أَمْسَكَ مِنْهُ بِالْكَظَمْ
نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ فِي بَلْدَتِهِ لَمْ يَزَلْ ذَاكَ عَهْدَ إِبْرَاهِيمْ
نَعْبُدُ اللَّهَ وَفِينَا شِيمَةٌ صِلَةُ الْقُرْبَى وَإِيفَاءُ الذِّمَمْ
إِنَّ لِلْبَيْتِ لَرَبًّا مَانِعًا مَنْ يُرِدْهُ بِأَثَامٍ يُصْطَلَمْ
يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلَمَّا أَصْبَحَ أَبْرَهَةُ تَهَيَّأَ لِدُخُولِ مَكَّةَ ، وَهَيَّأَ فِيلَهُ ، وَعَبَّأَ جَيْشَهُ ، وَكَانَ اسْمُ الْفِيلِ مَحْمُودًا ، وَأَبْرَهَةُ مُجْمِعٌ لِهَدْمِ الْكَعْبَةِ ، ثُمَّ الِانْصِرَافِ إِلَى الْيَمَنِ ، فَلَمَّا وَجَّهُوا الْفِيلَ إِلَى مَكَّةَ أَقْبَلَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ حَتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِ الْفِيلِ ، فَالْتَقَمَ أُذُنَهُ ، فَقَالَ: ابْرُكْ مَحْمُودًا ، وَارْجِعْ رَاشِدًا مِنْ حَيْثُ جِئْتَ ، فَإِنَّكَ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ . ثُمَّ أَرْسَلَ أُذُنَهُ ، فَبَرَكَ الْفِيلُ ، وَخَرَجَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ يَشْتَدُّ حَتَّى أَصْعَدَ فِي الْجَبَلِ ، وَضَرَبُوا الْفِيلَ لَيَقُومَ فَأَبَى ، فَضَرَبُوا رَأْسَهُ بِالطَّبَرْزِينِ فَأَبَى ، فَأَدْخَلُوا مَحَاجِنَ لَهُمْ فِي مَرَاقِّهِ فَبَزَغُوهُ بِهَا لَيَقُومَ فَأَبَى ، فَوَجَّهُوهُ رَاجِعًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَامَ يُهَرْوِلُ ، وَوَجَّهُوهُ إِلَى الشَّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَوَجَّهُوهُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَوَجَّهُوهُ إِلَى مَكَّةَ فَبَرَكَ ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِنَ الْبَحْرِ أَمْثَالَ الْخَطَاطِيفِ وَالْبِلْسَانِ ، مَعَ كُلِّ طَيْرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ يَحْمِلُهَا ، حَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ ، وَحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ أَمْثَالُ الْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ ، لَا تُصِيبُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا هَلَكَ ، وَلَيْسَ كُلَّهُمْ أَصَابَتْ ، وَخَرَجُوا هَارِبِينَ يَبْتَدِرُونَ الطَّرِيقَ الَّتِي مِنْهَا جَاءُوا ، وَيَسْأَلُونَ عَنْ نُفَيْلِ بْنِ حَبِيبٍ لِيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى الْيَمَنِ ، فَقَالَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ حِينَ رَأَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ نِقْمَتِهِ:
أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ غَيْرُ الْغَالِبِ
وَقَالَ نُفَيْلٌ أَيْضًا حِينَ وَلَّوْا وَعَايَنُوا مَا نَزَلَ بِهِمْ: