فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 1681

سفر ، وهو على ناقته العَضباء ، وأنَّها نزلت عليه كُلّها . قال الربيع بن أنس: نزلت سورة المائدة في مسير رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) إلى حجّة الوداع .

وفي ( شعب الإيمان ) ، عن أسماء بنت يزيد: أنَّها نزلت بمنى . وعن محمد بن كعب: أنَّها نزلت في حجَّة الوداع بين مكة والمدينة . وعن أبي هريرة: نزلت مرجع رسول الله من حجّة الوداع في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة . وضعّف هذا الحديث . وقد قيل: إنّ قوله تعالى: ( ولا يجرمنّكم شنئان قوم أن صدّوكم عن المسجد الحرام (( المائدة: 2 ) أنزل يوم فتح مكة .

ومن الناس من روى عن عمر بن الخطاب: أنّ سورة المائدة نزلت بالمدينة في يوم اثنين . وهنالك روايات كثيرة أنَّها نزلت عام حجّة الوداع ؛ فيكون ابتداء نزولها بالمدينة قبل الخروج إلى حجّة الوداع . وقد روي عن مجاهد: أنَّه قال: ( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم إلى غفور رحيم (( المائدة: 3 ) نزل يوم فتح مكة . ومثله عن الضحّاك ، فيقتضي قولهما أن تكون هذه السورة نزلت في فتح مكة وما بعده .

وعن محمد بن كعب القُرَظِيّ: أن أوّل ما نزل من هذه السورة قوله تعالى: ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيرًا ممَّا كنتم تخفون من الكتاب إلى قوله صراط مستقيم (( المائدة: 15 ، 16 ) ثم نزلت بقيَّة السورة في عرفة في حجّة الوداع .

ويظهر عندي أنّ هذه السورة نزل بعضها بعد بعض سورة النساء ، وفي ذلك ما يدلّ على أنّ رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) قد استقام له أمر العرب وأمر المنافقين ولم يبق في عناد الإسلام إلاّ اليهود والنصارى . أمَّا اليهود فلأنَّهم مختلطون بالمسلمين في المدينة وما حولها ، وأمّا النصارى فلأنّ فتوح الإسلام قد بلغت تخوم ملكهم في حدود الشام . وفي حديث عمر في ( صحيح البخاري ) : وكان مَن حَوْلَ رسول الله قد استقام له ولم يبق إلاّ مَلِك غسان بالشام كنّا نخاف أن يأتينا .

وقد امتازت هذه السورة باتِّساع نطاق المجادلة مع النصارى ، واختصار المجادلة مع اليهود ، عمَّا في سورة النساء ، ممّا يدلّ على أنّ أمر اليهود أخذ في تراجع ووهن ، وأنّ الاختلاط مع النصارى أصبح أشدّ منه من ذي قبل .

وفي سورة النساء تحريم السّكر عند الصلوات خاصّة ، وفي سورة المائدة تحريمه بتاتًا ، فهذا متأخِّر عن بعض سورة النساء لا محالة . وليس يلزم أنّ لا تنزل سورة حتّى ينتهي نزول أخرى بل يجوز أن تنزل سورتان في مدّة واحدة . وهي ، أيضًا ، متأخّرة عن سورة براءة: لأنّ براءة تشتمل على كثير من أحوال المنافقين وسورة المائدة لا تذكر من أحوالهم إلاّ مرّة ، وذلك يؤذن بأنّ النفاق حين نزولها قد انقطع ، أو خضّدت شوكة أصحابه ، وإذ قد كانت سورة براءة نزلت في عام حجّ أبي بكر بالناس ، أعني سنة تسع من الهجرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت